الإفتاء تحسم الجدل.. ألعاب قاتلة محرّمة وفتاوى فاصلة عن الترفيه والمال

تقرير:مصطفى علي
في زمن باتت فيه الألعاب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والشباب، لم تعد المسألة مقتصرة على التسلية وقضاء الوقت، بل امتدت لتلامس قضايا أخلاقية ونفسية ودينية شديدة الخطورة.
ومع تصاعد الجدل حول بعض الألعاب التي توصف بأنها «تحديات قاتلة»، وعلى رأسها لعبة «الحوت الأزرق»، برز دور المؤسسات الدينية في وضع النقاط فوق الحروف، وتحديد الموقف الشرعي بوضوح لا يقبل اللبس.
دار الإفتاء المصرية كانت في قلب هذا الجدل، بعدما تلقت تساؤلات متكررة من أولياء أمور وشباب حول حكم المشاركة في هذه الألعاب، وحول أشكال أخرى من الألعاب الشائعة، سواء الإلكترونية أو التقليدية، وما إذا كانت تدخل في دائرة المباح أم المحرم.
سؤال صريح.. وإجابة أكثر صراحة
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا مباشرًا جاء فيه:
هل المشاركة في لعبة «الحوت الأزرق» مجرد تسلية عابرة، أم طريق محرم يهدد النفس ويستوجب المنع والتجريم؟
سؤال يعكس حالة القلق المجتمعي من لعبة ارتبط اسمها في الوعي العام بحوادث انتحار وإيذاء نفسي شديد، خاصة بين صغار السن والمراهقين.
الإفتاء تحسم الموقف: «الحوت الأزرق» محرمة شرعًا
جاء الرد حاسمًا على لسان الدكتور أحمد العوضي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الذي أكد بوضوح أن المشاركة في اللعبة المسماة بـ«الحوت الأزرق» محرّمة شرعًا، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها وسيلة ترفيه أو تسلية.
وأوضح العوضي، خلال فيديو نُشر عبر الصفحة الرسمية لدار الإفتاء على موقع «فيس بوك»، أن خطورة هذه اللعبة لا تكمن فقط في محتواها، بل في منهجها القائم على ترويض النفس على العنف، وتعويد المشاركين خاصة الأطفال على إيذاء الذات، والتدرج نحو سلوكيات إجرامية قد تنتهي بفقدان النفس.
ألعاب قاتلة بواجهة بريئة
وأشار أمين الفتوى إلى أن أخطر ما في مثل هذه الألعاب هو أنها تُقدَّم في صورة تحديات أو مهام يومية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في طياتها رسائل نفسية مدمرة، تقوم على كسر الإرادة، وتعزيز الطاعة العمياء، وصولًا إلى مراحل متقدمة من الإيذاء الجسدي والنفسي.
وأكد أن الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ النفس باعتبارها من المقاصد الخمسة الكبرى، وأن كل ما يؤدي إلى هلاك النفس أو تعريضها للخطر يُعد محرمًا شرعًا، مهما كانت الذرائع أو المسميات.
نداء تحذيري من دار الإفتاء
وفي لهجة تحذيرية واضحة، ناشدت دار الإفتاء المصرية جميع فئات المجتمع، من أولياء أمور، ومؤسسات تعليمية، وجهات رقابية، بضرورة منع هذه اللعبة وغيرها من الألعاب التي تدعو إلى العنف أو الفاحشة أو الجريمة.
وشددت على أن واجب المنع لا يقتصر على التحذير اللفظي، بل يمتد إلى استخدام كل الوسائل الممكنة لحجب هذه الألعاب، ومراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأطفال والشباب، حمايةً لهم من الانزلاق في مسارات خطرة يصعب الرجوع عنها
من «الحوت الأزرق» إلى اللعب على المال: أسئلة يومية تبحث عن حكم
لم تتوقف تساؤلات الجمهور عند الألعاب الخطرة فقط، بل امتدت إلى ممارسات يومية شائعة، خاصة بين الشباب، مثل الألعاب الإلكترونية الجماعية التي يصاحبها دفع أموال، ولو بصورة غير مباشرة.
اللعب على فلوس.. متى يكون مباحًا ومتى يتحول إلى قمار؟
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا آخر يقول صاحبه:
نلعب «بلايستيشن» كرة قدم، ويدفع كل منا مبلغًا بالتساوي، نشتري به مشروبات أو وجبة غذائية ونقسمها علينا، مع إعطاء المركز الأول والثاني أكثر من غيرهم بالتراضي، فما الحكم؟
سؤال يعكس واقعًا متكررًا في التجمعات الشبابية، ويطرح إشكالية دقيقة بين الترفيه المشروع وشبهة القمار المحرم.
فتوى توضيحية: الجواز مشروط
أجاب عن هذا السؤال الدكتور مجدي عاشور، المستشار العلمي لمفتي الجمهورية السابق، موضحًا أن الأمر جائز من حيث الأصل، بشرط أساسي لا يجوز تجاوزه، وهو ألا يكون اللعب قائمًا على شرط دفع المال على سبيل المراهنة.
وأكد عاشور أن تحول اللعبة إلى التزام مالي مشروط بالفوز أو الخسارة يخرجها من دائرة الترفيه إلى دائرة القمار، وهو ما تحرمه الشريعة الإسلامية تحريمًا قاطعًا.
سد الذرائع أولى
وأضاف المستشار العلمي أن الأفضل والأولى، خروجًا من دائرة الشبهات، أن يكون ما يُقدَّم للفائزين من باب التبرع أو التطوع أو الهدية، لا على سبيل الإلزام أو الشرط المسبق.
وشدد على أن هذا التوجه يحقق مقصد الشريعة في سد الذرائع، ويجنب الشباب الوقوع في ممارسات قد تبدأ بريئة، لكنها تنتهي بمحرمات صريحة.
الشطرنج والطاولة والكوتشينة: جدل قديم متجدد
التحقيق لم يكتفِ بالألعاب الإلكترونية، بل امتد إلى الألعاب التقليدية التي لا تزال حاضرة بقوة في البيوت والمقاهي، مثل الشطرنج والطاولة (النرد) والكوتشينة والسيجة، والتي طالما أثارت جدلًا فقهيًا واسعًا.
الإفتاء توضح: التحريم ليس مطلقًا
أكدت دار الإفتاء المصرية أن هناك شبه اتفاق بين الفقهاء على أن ممارسة هذه الألعاب تكون محرمة في حالات محددة، أبرزها:
إذا اقترنت بالقمار أو المراهنة المالية.
إذا صاحبها محرم آخر، كشرب الخمر، أو السب، أو السباب، أو الخلوة المحرمة، أو السفور.
إذا ترتب عليها تضييع واجب شرعي، كالصلاة أو العمل أو حقوق الأسرة.
إذا نتج عنها ضرر نفسي أو اجتماعي أو مادي، أيًّا كان نوع هذا الضرر.
النصوص الشرعية حاضرة
وأشارت دار الإفتاء إلى أن بعض هذه الألعاب ورد فيها نص خاص، مثل النرد (الطاولة)، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
“من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير”، وهو حديث رواه الإمام مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه، ويُعد من أشد النصوص تحذيرًا من هذا النوع من اللهو إذا اقترن بالمحرمات.

