تقارير-و-تحقيقاتمقالات

د. سمر أبو الخير تكتب: دليل الأمهات في اكتشاف تأخر النطق عند الأطفال

كثيرًا ما تجلس أمّ في آخر الليل تنظر إلى صغيرها، تقارنه – رغمًا عنها – بأبناء أختها وجاراتها: «ابنهم بيقول جمل… وابني لسه مش بيطلع كلمة واضحة»، وبين الخوف والإنكار وحيرة الأسئلة يضيع وقتٌ ثمين كان يمكن أن يغيّر مصير هذا الطفل لو التُقطت الإشارات مبكرًا.

من هنا تبدأ الحكاية: كيف تفرّق الأم بين طفل هادئ بطبعه وطفل متأخر في النطق والكلام؟ وكيف تسمع صرخة الاستغاثة المختبئة خلف هذا الصمت؟

كثير من الأمهات يختزلن المشكلة في جملة عابرة: «لسانه تقيل شوية»، بينما الحقيقة أن الصورة أوسع من مجرد طريقة نطق الحروف، فالنطق هو شكل الصوت وخروجه؛ أن يقول الطفل «م» لا «ب»، وأن ينطق الكلمة بشكل مفهوم.

أما اللغة فهي العالم الذي يقف خلف هذه الكلمة، كمّ المفردات التي يعرفها، قدرته على فهم ما يقال له، استيعابه للأوامر البسيطة، قدرته على تسمية الأشياء من حوله والتعبير عن احتياجاته ورفضه وقبوله.

قد تجدين طفلًا يقول كلمات قليلة لكنه يفهم الكثير، وآخر يحفظ كلمات متناثرة دون أن يفهم معناها أو يستخدمها في سياق صحيح، وهنا لا تكون المشكلة في اللسان فقط، بل في «الخريطة اللغوية» داخل عقل الطفل، وهي ما يجب أن تنتبه إليه الأم مبكرًا.

منذ الشهور الأولى من عمر الرضيع تظهر إشارات صغيرة تخبرنا إن كان حاضرًا معنا في عالم الصوت والكلام أم لا، وفي عمر ثلاثة إلى ستة أشهر ننتظر من الطفل أصوات المناغاة وتعبيراته الصوتية العفوية واستجابته لنبرة صوت الأم، ومع اقتراب الشهر السابع وحتى التاسع نتوقع أن يلتفت عندما يُنادى باسمه، وأن ينزعج من الأصوات العالية، وأن يحاول متابعة مصدر الصوت بعينيه، وبحلول السنة الأولى، حتى لو لم ينطق كلمات واضحة، نتوقع على الأقل بعض المقاطع القريبة من الكلام مثل «ماما»، «بابا»، مع بوادر فهم بسيطة لكلمات متكررة يسمعها يوميًّا.

بعد السنة الأولى تصبح الخريطة أوضح، ما بين 12 و18 شهرًا يبدأ الطفل عادة في إصدار كلمات شبه مفهومة، ويستخدم يده للإشارة إلى ما يريد، ويحاول تقليد الأصوات من حوله.

وبين 18 و24 شهرًا تنمو حصيلة الكلمات، ويبدأ في تركيب كلمتين معًا مثل «عايز مية» أو «ماما تعالى» ومن عمر سنتين إلى ثلاث سنوات يصبح قادرًا على قول جمل قصيرة مفهومة في البيت، وعلى التعبير عن احتجاجه وطلبه وسعادته وخوفه، كما يفهم نسبة كبيرة من الأوامر والتوجيهات اليومية.

عندما تمر هذه المحطات العمرية دون أن يقترب الطفل منها، أو يظل بعيدًا عنها بشكل لافت، يجب أن يدق في قلب الأم جرس إنذار واضح لا يُسكَت.

في السنة الأولى خاصة تميل بعض الأمهات إلى اعتبار كل شيء «بدري على القلق»، لكن هناك علامات لا يصح تجاهلها: طفل لا يلتفت أبدًا عند مناداة اسمه، كأنه لا يسمع؛ لا يرتكس للأصوات المفاجئة ولا يبحث بعينيه عن مصدرها؛ لا يصدر أصوات مناغاة متنوعة بعد الشهر السادس أو السابع، أو يتوقف فجأة عن إصدارها بعد أن كان يفعل.

هذه التفاصيل الصغيرة قد تخفي خلفها مشكلة في السمع أو في التواصل، وكل تأجيل في التعامل معها غالبًا ما يعني تأخرًا أكبر في مرحلة الكلام.

ومع تجاوز الطفل لعمر السنتين يتحوّل القلق إلى ضرورة حقيقية للتقييم، حين تلاحظ الأم أن طفلها لا يزال يعتمد على البكاء والشدّ باليد بدلًا من استخدام الكلمات أو الإشارات الواضحة، ولا يملك مجموعة ثابتة من الكلمات اليومية البسيطة مثل «ماما» و«بابا» و«لأ» و«كمان»، ولا يستجيب للأوامر البسيطة من نوع «هات الكرة» و«تعال هنا» و«اقعد»، ولا يحاول تكرار الكلمات التي يسمعها أو تقليد الأصوات من حوله؛ عندها لا يمكن اعتبار الأمر عنادًا أو «دلعًا»، بل مؤشرًا يستحق التحرك الفوري، لا انتظار عام آخر على أمل أن «يتكلم من نفسه لما يروح الحضانة».

أحيانًا لا يظهر تأخر الكلام وحده، بل يرافقه سلوك يرفع مستوى القلق، طفل ينسحب من اللعب مع الآخرين ويفضل الانعزال والانشغال بألعاب معينة بشكل نمطي؛ أو طفل يتعامل مع الروتين اليومي باعتباره خطًا أحمر، فيثور غضبه بشدة عند أي تغيير بسيط؛ أو طفل يتحرك بلا توقف دون هدف واضح، أو بالعكس يبدو خاملًا ولامباليًا.

يضاف إلى ذلك الانجذاب المَرَضي للشاشات: ساعات طويلة أمام هاتف أو تابلت أو تلفزيون بلا تفاعل حقيقي مع الوجوه من حوله، لا تعني هذه العلامات وحدها وجود مشكلة كبرى بالضرورة، لكنها تقول للأم بوضوح: توقفي، انظري جيدًا، واستشيري متخصصًا قبل أن يفوت الوقت.

ليس كل تأخر في الكلام كارثة أو تشخيصًا ثقيلًا، بعض الأطفال يتأخرون قليلًا ثم يلحقون بأقرانهم دون آثار تُذكر، خاصة في البيوت الثنائية اللغة، أو حين يتولى أخ أكبر الكلام عن الصغير طوال الوقت فيغنيه عن محاولة التعبير بنفسه، لكن الخطورة تبدأ عندما يصل الطفل إلى عمر السنتين دون أن ينطق أي كلمة واضحة، أو عندما يبدو كأنه في «عالم آخر» لا يفهم الأوامر البسيطة ولا يتفاعل مع الكلام الموجّه إليه، أو عندما يفقد مهارات لغوية كانت موجودة، فيتوقف عن استخدام كلمات كان يقولها من قبل.

عند هذه النقاط لا يعود القول «لسه بدري» مبررًا، لأن كل شهر يمر بعد ذلك يكون خصمًا من فرصة اللحاق السريع.

وسط كل ذلك، يلعب البيت دورًا حاسمًا في دعم أو عرقلة تطوّر اللغة دون أن ينتبه الأهل، ففي زمن الشاشات صار من السهل أن يُترك الطفل أمام هاتف أو تلفزيون لساعات «عشان يهدى ويسكت»، بينما الحقيقة أنه لا يتعلم الكلام من شاشة، بل يتعلمه من وجه أم تضحك، وعين تنظر إليه، ويد تشير، وحوار حقيقي مهما بدا بسيطًا.

بيتٌ مليء بالكلام الموجّه للطفل، بالقصص والأغاني والألعاب التفاعلية، يفتح شهيته اللغوية ويدرّبه على الإرسال والاستقبال والتبادل؛ في حين أن بيتًا صامتًا أو ممتلئًا بضوضاء غير موجهة – كأن يكون التلفزيون مفتوحًا طوال اليوم دون تواصل حقيقي – يحوّل الطفل إلى متلقٍ سلبي لا يتدرب على الكلام ولا على الإصغاء الفعّال.

التربية اللغوية ليست درسًا رسميًا، بل أسلوب حياة، أن تحكي له ماذا تفعلين وأنتِ تطبخين أو ترتبين البيت، أن تسمّي الأشياء أمامه، أن تمنحيه وقتًا ليحاول التعبير دون استعجال أو إكمال الجملة نيابة عنه، وألا تترجمي كل نظرة وكل حركة إلى فعل فوري من جانبك فتُسقطي عنه الحاجة إلى استخدام صوته.

وحين يقلق قلب الأم، فإن الطريق الصحيح ليس دفن القلق ولا الاكتفاء بنصائح عابرة من صديقات أو صفحات مجهولة على مواقع التواصل، بل البحث عن إجابة مهنية واضحة.

البداية غالبًا تكون مع طبيب الأطفال لفحص عام والتأكد من سلامة النمو الجسدي والعصبي واستبعاد المشكلات الظاهرة، ثم يأتي دور طبيب السمعيات لإجراء اختبار بسيط قد يكشف أن المشكلة في السمع، لا في الذكاء ولا في الشخصية، أخيرًا يتدخل أخصائي التخاطب؛ يقيم قدرات الطفل اللغوية بدقة، ويرسم خطة تدريب عملية تشارك فيها الأم يومًا بيوم، لتتحول من «مراقب قلق» إلى شريك أساسي في العلاج.

إن ما يؤخر التدخل المبكر في كثير من الأحيان ليس غياب الخدمات بقدر ما هو كثرة الأخطاء الشائعة مثل: مقارنة الطفل المقارنة القاسية بأطفال العائلة والجيران، والاطمئنان إلى أن فلانًا «اتأخر برضه واتكلم بعدين»، وكأن كل أطفال العالم نسخة واحدة؛ الاعتماد على نصائح عشوائية من السوشيال ميديا بدل السؤال المباشر لأهل الاختصاص؛ بل وربما معاقبة الطفل أو السخرية منه لأنه «مش بيعرف يتكلم»، فيُضاف جرح نفسي إلى جرح لغوي لم يُلتئم بعد.

رغم كل هذه العثرات، تبقى نافذة الأمل واسعة، فقصص النجاح في عيادات التخاطب وفي البيوت أكثر مما يتصوّر الكثيرون؛ أطفال تأخروا في الكلام، ثم صاروا بعد سنوات يتفوقون دراسيًّا، ويقفون بثقة في الإذاعة المدرسية أو على المسرح، فقط لأن أمًا التقطت الإشارة مبكرًا، وقررت ألّا تسكت عن قلقها، والتزمت بتدريبات يومية بسيطة لكنها مستمرة.

كما أن عقل الطفل في سنواته الأولى يتمتع بمرونة مدهشة، وكل جهد يبذل في هذه السنوات يعود أضعافًا مضاعفة في قدرته على التعلم والتواصل لاحقًا.

في النهاية، إذا شعرتِ أن طفلك «ساكت زيادة»، فلا تخافي من السؤال، ولا تخجلي من أن تطلبي تقييمًا متخصصًا، لأن صوت طفلك أمانة في قلبك، والتأخر في النطق والكلام ليس حكمًا نهائيًا ولا نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لعلاقة أعمق بينك وبينه، حين تمسكين بيده وتسيرين معه خطوة خطوة، من أول مقطع صوت متردد، إلى أول كلمة واضحة، إلى تلك الجملة التي تستحق كل هذا العناء: «بحبك يا ماما».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى