ذكرى رحيل عبلة الكحلاوي.. صوت الدعوة الذي لم يغب وأثر الخير الذي لا يزول

تقرير: مصطفى علي
في الرابع والعشرين من يناير، تعود الذكرى محمّلةً بالحزن والامتنان معًا، ذكرى رحيل واحدة من أبرز الرموز النسائية في الدعوة الإسلامية والعمل الخيري في مصر والعالم الإسلامي، الدكتورة عبلة الكحلاوي، الداعية والفقيهة وأستاذة الشريعة، التي غيّبها الموت في مثل هذا اليوم من عام 2021 إثر إصابتها بفيروس كورونا، بعد رحلة طويلة من العلم والخدمة والرحمة، تركت خلالها أثرًا لا يُمحى في القلوب قبل المؤسسات.
لم تكن عبلة الكحلاوي مجرد اسم عابر في سجل الدعاة، بل كانت نموذجًا استثنائيًا للمرأة العالِمة، التي جمعت بين الفقه والدعوة، وبين المنبر والشارع، وبين قاعات الجامعة وبيوت الفقراء، حتى استحقت عن جدارة أن تُلقّب بـ«صاحبة الباقيات الصالحات»
النشأة والجذور
وُلدت الدكتورة عبلة الكحلاوي في بيتٍ له حضور فني وديني في آنٍ واحد، فهي ابنة الفنان والمنشد الديني الراحل محمد الكحلاوي، أحد أشهر الأصوات التي صدحت بالمديح النبوي والإنشاد الديني في مصر والعالم العربي غير أن عبلة الكحلاوي اختارت لنفسها طريقًا مختلفًا، طريق العلم الشرعي والدعوة، فصنعت لنفسها هوية مستقلة، بعيدة عن أضواء الفن، قريبة من نور المعرفة وخدمة الناس.
منذ سنواتها الأولى، اتجهت نحو الدراسة الأزهرية، مؤمنة بأن العلم هو السبيل الحقيقي لخدمة الدين والمجتمع، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرتها الأكاديمية والدعوية.
المسار العلمي
التحقت الدكتورة عبلة الكحلاوي بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، وتخصصت في الشريعة الإسلامية، لتبدأ رحلة علمية جادة وممتدة حصلت على درجة الماجستير في الفقه المقارن عام 1974، ثم واصلت تفوقها العلمي لتحصل على درجة الدكتوراه في التخصص ذاته عام 1978، في وقتٍ لم يكن فيه وجود المرأة في هذا المجال بهذه القوة والانتشار.
عملت أستاذة للفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية «بنات» بجامعة الأزهر، وتنقلت بين عدد من المواقع الأكاديمية داخل مصر وخارجها، من بينها كلية التربية للبنات في الرياض، وكلية البنات بجامعة الأزهر، حتى تولّت في عام 1979 رئاسة قسم الشريعة بكلية التربية في مكة المكرمة، في محطة مهمة من مسيرتها، جمعت خلالها بين التدريس الجامعي والدعوة المباشرة في أقدس بقاع الأرض.
في رحاب الحرمين.. دعوة يومية وعلم متصل
خلال فترة عملها في مكة المكرمة، عُرفت الدكتورة عبلة الكحلاوي بنشاطها الدعوي المكثف، حيث كانت تُدرّس للنساء في المسجد الحرام يوميًا بعد صلاة المغرب، لمدة عامين كاملين، في مشهد يعكس مدى التزامها برسالتها العلمية والدعوية.
لم تكن دروسها تقليدية أو بعيدة عن واقع الناس، بل كانت تجمع بين الفقه والفهم الإنساني العميق، وبين النص الشرعي ومقاصده، وهو ما جعلها قريبة من قلوب النساء، ومصدر ثقة واحترام لدى طالبات العلم.
العودة إلى مصر.. الأزهر منبرًا والدعوة رسالة
بعد عودتها إلى مصر، واصلت الدكتورة عبلة الكحلاوي رسالتها العلمية والدعوية، فإلى جانب عملها الأكاديمي، كانت تلقي دروسًا منتظمة في الجامع الأزهر الشريف، وعدد من المساجد الكبرى، لتتحول إلى واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الدعوة الإسلامية المعتدلة.
تميّز خطابها بالبساطة والعمق في آنٍ واحد، وبالتركيز على القيم الأخلاقية والإنسانية، وربط الدين بالحياة اليومية، دون تشدد أو تعقيد، وهو ما أكسبها قبولًا واسعًا لدى مختلف الفئات.
ربما كانت المحطة الأبرز في مسيرة الدكتورة عبلة الكحلاوي هي تأسيسها لجمعية «الباقيات الصالحات»، إحدى أكبر الجمعيات الخيرية في مصر، والتي كرّست نشاطها لرعاية الفئات الأكثر احتياجًا، من الأطفال الأيتام، ومرضى السرطان، وكبار السن، خاصة المصابين بمرض الزهايمر.
لم يكن تأسيس الجمعية مجرد عمل خيري تقليدي، بل كان تعبيرًا عن رؤية إنسانية عميقة، كما أوضحت الكحلاوي في أكثر من لقاء إعلامي، مؤكدة أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على كرامة الآباء والأمهات الذين أفنوا أعمارهم في العطاء، ثم وجدوا أنفسهم في نهاية الطريق وحيدين، إما لفقدان المال أو لجحود الأبناء.
«دار أمي وأبي».. كرامة المسن أولًا
ضمن مشروعات الجمعية، برزت «دار أمي وأبي» كنموذج مختلف لدور رعاية المسنين، حيث أكدت الدكتورة عبلة الكحلاوي أن الدار تقدم خدماتها بالمجان، وتوفّر رعاية صحية ونفسية متكاملة، سواء من خلال خدمة منزلية في حالات الطوارئ، أو الإقامة الكاملة داخل الدار.
وخلال لقاءاتها الإعلامية، لم تُخفِ الكحلاوي ألمها وحزنها من سوء معاملة بعض الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، وكانت تبكي بحرقة وهي تروي عشرات القصص التي شهدتها بنفسها، عن آباء وأمهات تُركوا في المستشفيات دون سؤال، أو تُركوا يواجهون المرض والضعف وحدهم، في مشاهد وصفتها بأنها «يبكي لها الجبين».
لم تغب القضايا المعاصرة عن اهتمام الدكتورة عبلة الكحلاوي، فقد عبّرت بوضوح عن قلقها من التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، ووصفتها في أحد تصريحاتها بأنها «الشيطان الأكبر» إذا أُسيء استخدامها، لما تتيحه من سهولة نشر الشائعات وتدمير القيم والعلاقات.
وفي الوقت نفسه، لم تنكر دورها الإيجابي، معتبرة أن السوشيال ميديا «سلاح ذو حدين»، يمكن توظيفه في نشر الدين وحب الوطن، إذا أُحسن استخدامه، مؤكدة أهمية ما سمّته «فقه الساعة»، أي فهم الواقع وتوظيف مقاصد الشريعة بما يخدم الدين والمجتمع في آنٍ واحد.
رؤيتها لقضية الطلاق
من القضايا الاجتماعية التي توقفت عندها الدكتورة عبلة الكحلاوي كثيرًا، قضية ارتفاع نسب الطلاق، حيث رأت أن السبب الجوهري يعود إلى سوء الاختيار، وابتعاد الشباب عن المنهج النبوي في الزواج.
وأكدت أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «فاظفر بذات الدين»، وضع معيارًا أساسيًا للاستقرار الأسري، لكن كثيرًا من الشباب بحسب وصفها أصبحوا يبحثون عن المال والمظاهر، ويسألون عن الراتب قبل السؤال عن القيم والأخلاق، معتبرة أن النفس الإنسانية «مقسومة نصفين»، ولا يكتمل الاستقرار إلا بالبحث عمن يشبه الإنسان في فكره وقيمه.
كما انتقدت كشف أسرار البيوت على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرت ذلك من الأخطاء الكبرى التي تهدد استقرار الأسرة، مشيرة إلى أن الخوف من العنوسة يدفع بعض الفتيات للقبول بأي زواج، ما يفاقم أزمة الطلاق لاحقًا.

