ذكرى مولد السيدة نفيسة.. كريمة الدارين ومُجابة الدعاء

تقرير: مصطفى علي
في الثالث من ديسمبر، يحتفل العالم الإسلامي بذكرى مولد السيدة نفيسة رضي الله عنها، تلك العالمة الزاهدة، كريمة الدارين، التي وهبها الله العلم والتقوى، وجعلها نموذجًا فريدًا للورع والصلاح ذكرى مولدها تأتي لتذكّرنا بعبير السيرة الطاهرة، ودروس الحياة التي تركتها للأجيال، امتثالًا لتوجيهات القرآن الكريم في قوله تعالى:
“ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ” (الأحقاف: 23)
هذه المناسبة تستدعي تسليط الضوء على حياة السيدة نفيسة ومسيرتها الروحية والعلمية، بدءًا من مولدها بمكة حتى دفنها بمصر، مرورًا بدورها في نشر العلم والورع.
ولادة السيدة نفيسة ونشأتها
ولدت السيدة نفيسة رضي الله عنها بمكة المكرمة عام 145هـ، ابنة أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومن هنا بدأت علاقتها الوثيقة بنسب النبي صلى الله عليه وسلم نشأت في بيئة علمية وروحانية، بين علماء وعباد وزهاد، حيث حفظت القرآن الكريم في سن مبكرة، وأتمت تعلّمه وهي في الثامنة من عمرها.
رافقها والدها مع والدتها زينب بنت الحسن إلى المدينة المنورة، حيث كانت تتردد على المسجد النبوي، متعلمة من شيوخ وعلماء المدينة، حتى نالت لقب “نفيسة العلم” قبل بلوغ سن الزواج.
كانت حياتها مكرسة للعبادة، صائمة نهارها، قائمة ليلها، واجتهدت في طلب الحق، وابتعدت عن الباطل، حتى أكرمها الله بكرامات متعددة، واعتبرت من المُجابة الدعاء.
الزواج وتكوين الأسرة
تزوجت السيدة نفيسة من إسحاق المؤتمن، ابن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، في شهر رجب سنة 161هـ، ليجتمع نور الحسن والحسين في نسلهما، فتحمل لقب “كريمة الدارين” أنجبت ولديْن هما القاسم وأم كلثوم، واستمرت حياتها مكرسة للعبادة والعلم، حتى حفرت قبرها بيديها في مصر لتكون مسكنها الأخير.
كان أخوها القاسم رجلًا صالحًا وزاهدًا، وقد سكن نيسابور وترك أثرًا من العلم والزهد، فيما نقل الحافظ البيهقي بعض أخبار ذريته.
قدومها إلى مصر واستقبالها الجماهيري
وصلت السيدة نفيسة إلى القاهرة يوم السبت 26 رمضان 193هـ، قبل قدوم الإمام الشافعي بخمس سنوات استقبلها أهل مصر بحفاوة كبيرة، تقبلوا حضورها وطلب العلم منها، حتى ازدحم الناس حولها، ما كاد يشتت تركيزها على عبادتها.
قالت لهم حينها: “كنتُ قد اعتزمت المقام عندكم، غير أني امرأة ضعيفة، وقد تكاثر حولي الناس فشغلوني عن أورادي، وجمع زاد معادي، وقد زاد حنيني إلى روضة جدي المصطفى”.
تدخل والي المدينة لتنظيم زياراتها، فوهبها دارًا واسعة، وحدد يومين أسبوعيًا للناس لطلب العلم والنصيحة، مما أتاح لها التفرغ لعبادتها.
وصية الإمام الشافعي وفضلها العلمي
توثقت العلاقة بين السيدة نفيسة والإمام الشافعي رضي الله عنه عند قدومه إلى مصر، حيث كان يزور منزلها في طريقه إلى حلقات العلم في مسجد الفسطاط، ويصلي عندها التراويح في رمضان، ويستأذنها بالدعاء له.
استمرت هذه العلاقة الروحية حتى وفاة الإمام الشافعي عام 204هـ، حيث صلت عليه السيدة نفيسة في جنازته كما أوصى، مؤكدين مكانتها العلمية والروحية في المجتمع المصري آنذاك.
مرضها ووفاتها
أصاب السيدة نفيسة المرض في شهر رجب سنة 208هـ، فاشتد عليها حتى رمضان، وأقعدها عن الحركة، وأوصاها الطبيب بالفطر عن الصيام، لكنها رفضت استجابة، متمسكة بعبادتها، حتى غشي عليها أثناء قراءة القرآن الكريم بخشوع، فاستشهدت شهادتها الأخيرة، وارتقت روحها إلى بارئها.