تقارير-و-تحقيقات

فضل الصيام “كما كتب على الذين من قبلكم”.. ماذا تعني؟ الشيخ محمد ثابت الوزير يجيب

لماذا فرضت العبادات على كل الأمم؟ الشيخ محمد ثابت الوزير يوضح

في حديث خاص لـ”جريدة وموقع اليوم”، تناول الشيخ محمد ثابت الوزير، عضو لجنة الفتوى السابق بالأزهر الشريف، قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم  ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) صدق الله العظيم {البقرة/183}”، موضحًا دلالاته وأبعاده الروحية والتشريعية.

وأكد فضيلته على أهمية استلهام العبر من الأمم السابقة، مشددًا على ضرورة الاقتداء بالتعاليم السماوية في تهذيب النفس وتقوية الإرادة.

ومن خلال هذا التقرير نستعرض لكم تفاصيل هذا الحديث بالأدلة الشرعية في ضوء الكتاب والسنه النبويه الشريفة

فضل الصيام في العصور القديمة 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) {البقرة/183}

أي كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علىّ رضي اللَّه عنه: أوّلهم آدم،… يعنى أنّ الصوم عبادة قديمة أصيلة ما أخلى اللَّه أمّة من افتراضها عليهم، ولم يفرضها عليكم وحدكم (انظر تفسير الزمخشرى ج1 ص 224)

الصيام عبادة قديمة علي مر العصور 

فالصيام عبادة قديمة عرفتها البشرية منذ أقدم العصور ولكن لكل ديانة طريقتها فيالصيام . ويحدثنا القران العظيم عن الصيام بالمعنى اللغوى وهو يعنى مطلق الإمساك كما في قصة السيدة مريم في قوله تعالى

الإمساك عن الكلام

بسم الله الرحمن الرحيم

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) {مريم/26}

فالصيام من العبادات القديمة التي عرفت قبل الإسلام وقبل مبعث الحبيب صلى الله عليه وسلم

تاريخ صيام الأمم السابقة

أولاً أول من صام من الأنبياء

ذكر السيوطي في كتابه ( الوسائل إلى معرفة الأوائل ) أن أول من صام آدم عليه السلام صام ثلاثة أيام في كل شهر أخرجه الخطيب في (أماليه) وابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً.

ثم قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان صومه في كل شهر ثلاثة أيام إلى العشاء .حتى فرض صيام شهر رمضان في كتاب الله تعالى.

سيدنا ادم عليه السلام أول من صام

وعلى ذلك فإننا نرى أن أول من صام هو أبو البشر سيدنا ادم عليه السلام آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته ، وأسكنه جنته بفضله، وأهبطه بذنبه إلى الأرض، وتاب عليه، وعلمه جميع العلوم، وهو أول من صام وصلى وقرأ وكتب (كتاب اخبار الزمان ج1 ص 110) … فيروى انه لما تاب الله عليه اراد ان يشكر الله على نعمته فالهمه الله بالصيام فصام ثلاثة ايام شكراً وتقرباً الى الله

أول من صام رمضان

وفي الأنساب لابن قتيبة «أول من صام رمضان نوح عليه الصلاة والسلام» وذكر وهْب بن مُنبِّة: أن نوحا عليه السلام دخل الفُلْك، وولده الثلاثة سام وحام ويافث، ونساؤهم، وأربعون رجلا، وأربعون امرأة، ولما خرجوا بَنَوْا قريةً بقْرِدَى فسَمَّوْها ” سُوقَ ثمانين ” وقرَّبَ قُرْبَاناً وصامَ شَهْر رَمَضَان، فهو أولّ من صام (كتاب الانساب للصحاوى ج1 ص 21)

قال القُرْطُبِيُّ: «قال أهْلُ التَّاريخِ: إنَّ أوَّلَ مَنْ صَامَ رمَضَانَ نُوحٌ – عَلَيْهِ السَّلام – لمَّا خَرَجَ من السَّفينة» (تفسير القرطيى ج2 ص 290)

صيام الأمم السابقة

أماعن صيام الأمم السابقة: نرى أن القدماء المصريين عرفوا الصوم ومارسوه قصدا إلي صفاء الروح، وبخاصة في أيام أعيادهم حيث كان الشعب كله يصوم.. وكان الكهنة يصومون من سبعة أيام إلي ستة أسابيع من كل عام

وقد اخذ اليونان الصوم عن قدماء المصريين، فقد كان الشعب كله يصوم ترضيا للآلهة أياما متوالية قبل الشروع في الحروب.. حتى ينتصروا، وكانت المرأة تمارس الصوم عندهم بأسلوب عنيف، حيث كانت النساء الصائمات يجلسن علي الأرض في ذلة واكتئاب

أما الصينيون: فكانوا يصومون بعض أيامهم.. ويوجبونه علي أنفسهم أيام الفتن والقلاقل.. وبعض طوائف ( التبت ) يمتنعون عن الطعام أربعا وعشرين ساعة متواصلة لا يبتلعون فيها شيئا، حتى ريقهم ولا يتناولوا أي طعام.

أما اليهود: فان نبيهم موسي عليه السلام صام أربعين يوما، وكان اليهود يصومون عند الحزن والحداد ، فانهم كانوا يصومون أسبوعاً متوالياً من كل عام تذكاراً لخراب مدينة (أورشليم ) ..

كما أنهم كانوا يصومون يوم عاشوراء ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم سألهم عن سبب صيامهم قالوا هو يوم نجى الله فيه نبى الله موسى من فرعون فنحن نصومه شكراً لله … وكان الكهنة يلجأون إلي الصوم عند تلقي الإلهام،

أما عند النصارى : فقد ورد أن نبي الله عيسي عليه السلام صام أربعين يوما قبل بدء الرسالة، والمسيحيون يكثرون الصيام في أيام محددة من كل عام علي كيفيات معينة تبعا لطوائفهم الثلاث.. ومعظم صومهم إمساك عن تناول ما فيه الروح0( انظر كتاب هكذا نصوم ص 58-60)

ثم انَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى، كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا، فصار أربعين يوماً .

ثم إن ملكا لهم مرض، فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ ومرضه أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ أُسْبُوعًا فَبَرِئَ، فَزَادَ فِيهِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: أَتِمُّوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا وورد ان النَّصَارَى لما فرضَ الله عَلَيْهِمْ صيام شَهْرُ رَمَضَانَ كانوا يصومون قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا ، ثُمَّ لم يزل الْآخَرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

ومن هنا نرى ان الله فرض صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهَا تَرَكَتْ صيام هَذَا الشَّهْرَ وَصَامَتْ يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ، زَعَمُوا أَنَّهُ يَوْمٌ غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ صَامُوا رَمَضَانَ فَصَادَفُوا فِيهِ الْحَرَّ الشَّدِيدَ فَحَوَّلُوهُ إِلَى وَقْتٍ لَا يَتَغَيَّرُ، ثُمَّ قَالُوا عِنْدَ التَّحْوِيلِ نَزِيدُ فِيهِ فَزَادُوا عَشْرًا، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ اشْتَكَى مَلِكُهُمْ فَنَذَرَ سَبْعًا فَزَادُوهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَأَتَمَّهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً (التَّوْبَةِ: 31) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ .

كما ورد أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِالْوَثِيقَةِ زَمَانًا فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَخِيرُ يَسْتَسِنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، وَلِهَذَا كُرِهَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّعْبِيِّ ( انظر مفاتيح الغيب ج5 ص 239)

قِيلَ: إِنَّ الصُّرَدَ (وهو طائِرٌ يصيد العصافيرَ، وصغار الطير) وَهُوَ الَّذِي دَلَّ آدَمَ عَلَى مَكَانِ الْبَيْتِ. هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَامَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلصُّرَدِ الصَّوَّامُ (تفسير القرطيى ج12 ص 166)

وفي الختام، أكد الشيخ محمد ثابت الوزير أن الآيات الكريمة تأتي لتذكر المسلمين بحكمة التشريعات الإلهية، وضرورة الامتثال لها كما فعلت الأمم السابقة، لما فيها من خير وصلاح للفرد والمجتمع. مشددًا على أن الصبر والالتزام هما مفتاح تحقيق الغاية الروحية والإنسانية من العبادات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى