ذاكرة الجثث المنهوبة.. جثامين الشهداء تفتح تاريخ سرقة الأعضاء الفلسطينية

تقرير: سمر صفي الدين
بينما يستقبل مجمع ناصر الطبي في غزة جثامين الشهداء القادمين من الجانب الإسرائيلي ضمن دفعات متتالية منذ اتفاق وقف الحرب، تتكشف من جديد صور مروعة لجثث منكلٍ بها، مكبلة الأيدي، ومصابة بطلقات في الرأس والصدر.
في الظاهر، هي عملية إنسانية لتسليم رفات الأسرى؛ لكنها في جوهرها تفتح أعمق جراح الذاكرة الفلسطينية. وتعيد إلى الواجهة الملف الأسود لانتهاكات الاحتلال بحق أجساد الشهداء منذ عقود.
فمنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم تتوقف الشهادات والتقارير عن سرد قصص تشريح وسرقة أعضاء من جثامين الفلسطينيين في معهد “أبو كبير” الإسرائيلي للطب الشرعي.
ورغم النفي الرسمي المتكرر من تل أبيب، فإن وثائق وشهادات، بعضها صادر عن أطباء ومسؤولين إسرائيليين. ترسم صورة لنظام ممنهج ينتهك حرمة الموتى الفلسطينيين تحت ذرائع طبية وعسكرية.
اليوم، وبينما تبذل وزارة الصحة في غزة جهودًا بدائية للتعرف على هوية الجثامين المجهولة وسط نقص في المختبرات وأجهزة فحص الحمض النووي. تبدو المعاناة المتجددة جزءًا من مسلسل طويل من سياسات الاحتلال التي حولت الموتى إلى ملفات أمنية وطبية. في واحدة من أكثر فصول الصراع قسوة وغموضًا.
البداية.. الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)
تعود أولى الشهادات الموثقة إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى. حين لاحظت عائلات الشهداء علامات تشريح واضحة على أجساد أبنائها بعد تسليمها من الجانب الإسرائيلي.
في عام 1992، نشرت وكالة “أسوشييتد برس” (AP) تقريرًا نقلت فيه عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله إن 133 جثمانًا لشهداء فلسطينيين تراوحت أعمارهم بين أربعة أشهر و88 عامًا. تم تشريحها جميعًا في معهد “أبو كبير”، مع نفي قاطع لاتهامات سرقة الأعضاء.
إلا أن المعهد نفسه أقر بأن نصف الجثث فقط خضعت للتشريح الطبي الكامل، ما أثار شكوكًا حول مصير النصف الآخر.
شهادات: “كنا نعرف أن شيئًا غير طبيعي يحدث“
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة القدس العربي في ديسمبر 1998، نقلت عائلات فلسطينية من نابلس وغزة شهادات متطابقة عن استلام جثامين أبنائها “وقد أزيلت منها الأعين والأعضاء الداخلية”، من دون تفسير طبي أو قانوني.
وفي عام 2001، بث تلفزيون BBC العربي مقابلة مع طبيب فلسطيني سابق في مستشفى “الخليل”. أكد فيها أن “جثث الشهداء التي كانت تصل من الجانب الإسرائيلي كانت تظهر بوضوح علامات استئصال أعضاء”.
انفجار الفضيحة في الصحافة الدولية (2009)
وفي أغسطس 2009، فجرت صحيفة Aftonbladet السويدية واحدة من أخطر القضايا الحقوقية. حين نشرت تقريرًا بعنوان: “أبناؤنا تسرق أعضاؤهم بعد قتلهم”، كتبه الصحفي السويدي دونالد بوستروم.
وتضمن شهادات لعائلات فلسطينية من الضفة الغربية قالوا إن الجيش الإسرائيلي احتجز جثامين أبنائهم لعدة أيام، قبل أن يعيدها “مشوهة ومفرغة من الأعضاء”.
ووفقًا للتقرير، فإن جثامين بعض الشهداء كانت تعاد بعد أسبوع أو أكثر من الوفاة، “وقد تم خياطتها من العنق حتى أسفل البطن”.
والتحقيق أثار عاصفة سياسية ودبلوماسية بين ستوكهولم وتل أبيب، حيث اتهمت إسرائيل الصحيفة بـ”اللاسامية”. بينما طالبت السويد بإجراء تحقيق مستقل.
اعتراف إسرائيلي ضمني: “لأغراض بحثية“
بعد أشهر من الجدل، بث التلفزيون الإسرائيلي الرسمي (القناة الثانية) في ديسمبر 2009 مقابلة مع الدكتورة ميخال غيلاد، المديرة السابقة لمعهد “أبو كبير”. والتي أكدت أن المعهد احتفظ بأعضاء من جثث فلسطينيين وإسرائيليين على حد سواء بين عامي 1990 و2000 “لأغراض تعليمية وطبية”.
ورغم محاولة الحكومة الإسرائيلية التخفيف من وقع التصريحات بالقول إن الأمر “انتهى منذ سنوات”. إلا أن منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا طالبت حينها بتحقيق دولي مستقل في تلك الممارسات.
مقابر الأرقام.. شاهد آخر على الجريمة
إلى جانب سرقة الأعضاء، وثقت تقارير فلسطينية وأممية منذ عام 2010 ظاهرة “مقابر الأرقام”، وهي مقابر سرية تدفن فيها إسرائيل جثامين مئات الشهداء الفلسطينيين بعد احتجازها لسنوات.
ووفقًا لتقرير صادر عن مركز الميزان لحقوق الإنسان عام 2013، فقد “أعيدت عشرات الجثامين في حالات تحلل متقدمة، وبعضها بلا أعضاء داخلية”.
وفي عام 2017، نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن موظفين سابقين في “أبو كبير” قولهم إن المعهد “كان يحتفظ بعشرات الأعضاء البشرية في ثلاجات دون توثيق”. قبل أن يصدر أمر بإتلافها بعد الجدل الدولي.
تحقيقات أممية: “انتهاك صارخ لكرامة الإنسان“
في عام 2019، أصدرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مايكل لينك. بيانًا دعا فيه إسرائيل إلى “الكشف الكامل عن مصير الجثامين الفلسطينية المحتجزة”. مشيرًا إلى أن “عدم تسليم الجثامين أو تسليمها بعد العبث بها يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني”.
وفي العام نفسه، ذكرت وكالة رويترز أن وزارة الصحة الفلسطينية رفعت تقارير موثقة إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف حول “فقدان قرنيات وعظام” من جثث شهداء أُعيدت من الجانب الإسرائيلي.
شهادات طبية حديثة وتكتم مستمر
في عام 2020، كشف تقرير استقصائي لموقع Middle East Monitor أن معهد “أبو كبير” لا يزال يحتفظ بعينات وأنسجة بشرية من فلسطينيين قتلوا خلال حرب غزة عام 2014.
وفي عام 2022، نقلت صحيفة الجارديان البريطانية عن طبيب شرعي إسرائيلي سابق قوله إن “المعهد كان يتلقى أوامر مباشرة من الجيش بعدم توثيق بعض عمليات التشريح المتعلقة بالفلسطينيين”.
أما في 2023، فقد أعادت قناة الجزيرة الإنجليزية تسليط الضوء على الملف ضمن تحقيق بعنوان: “Body Parts: The Hidden Archive”. أكدت فيه أن الأدلة المتراكمة “تشير إلى سياسة ممنهجة، وليست حوادث فردية”.
صمت رسمي وتواطؤ سياسي
حتى اليوم، ترفض الحكومة الإسرائيلية أي اتهام بسرقة أعضاء، معتبرة أن كل عمليات التشريح “تتم وفقًا للقانون والمعايير الطبية”. لكن المنظمات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء. مثل بتسيلم وعدالة، ترى أن هذا الصمت الرسمي “يخفي شبكة متشابكة من الانتهاكات”.
وفي تقرير صدر عام 2024 عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أكد أن إسرائيل لا تزال تحتجز أكثر من 140 جثمانًا. “بعضها منذ عقدين”، في انتهاك واضح للمادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ووفقًا لتحليل نشرته واشنطن بوست في يونيو 2025، فإن “المجتمع الدولي يتجنب الخوض في هذا الملف خشية توتير العلاقات مع إسرائيل”. فيما تبقى أجساد الشهداء الفلسطينيين شاهدة على جريمة لم تحاسب بعد.

