ماذا لو تعارض الحساب الفلكي مع الرؤية الشرعية؟ عالم أزهري يجيب

كتب- محمود عرفات
يتساءل الكثير من المواطنين عن موعد أول أيام شهر رمضان المبارك، حيث يتم استطلاع رؤية الهلال اليوم، وقد أفصح مركز البحوث الفلكية عن أول أيام شهر رمضان المبارك وهو يوم الخميس، بينما لم تعلن دار الإفتاء بعد عن قولها، وهنا يكثر السؤال عن: ماذا لو تعارض الحساب الفلكي مع الرؤية الشرعية؟
توضيح ودلائل
وفي هذا السياق قال الدكتور محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث وعلومه إنه في قول الله تعالى: “يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج”؛ ما يدل على أن الشهور القمرية تعرف أوائلها برؤية الهلال، وهو القمر حين يبدو دقيقا، ثم يمتلئ، ثم يتقلص، ويمر القمر بثماني مراحل، إذ يولد على شكل هلال لامع ضئيل، ويتعاظم حجمه وسطوعه، إلى أن يصير بدرا، وعندها تبدأ مرحلة الانحدار والتقلص، حتى يعود كالعرجون القديم، ثم يغمره الظلام.
وأضاف أن الآية تشير إلى أن الحكمة من خلق القمر على هذه الأطوار؛ أن يكون مواقيت للناس، والحج، يعني معرفة بدايات الشهور القمرية، التي تتعلق بها الأحكام الشرعية، كالصوم والفطر والحج والزكاة وعِدَد النساء وآجال الديون ونحو ذلك.
أحاديث نبوية تحسم الجدل
وأوضح أن مما ورد في السنة النبوية المشرفة، مما يدل على كون الأحكام الشرعية المؤقتة بمواقيت زمنية؛ متعلقة برؤية الهلال؛ قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمي عليكم فاقدروا له”، وفي رواية: “فاقدروا له ثلاثين”، وفي رواية: “إذا رأيتم الهلال
فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له”، وفي رواية: “فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما”، وفي رواية: “فإن غمي عليكم فأكملوا العدد”، وفي رواية: “فإن عمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين”، وفي رواية: “فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين”.
وأكد أن هذه الروايات كلها في صحيح مسلم، على هذا الترتيب، وفي رواية للبخاري: “فإن غَبِيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”، فأفاد الحديث برواياته أن الصوم والفطر متعلق برؤية الهلال أو عدمها، لا غير، وفي حالة عدم التمكن من الرؤية، لسبب أو لآخر، كوجود غيم ونحوه؛ فلا بد من إكمال عدة الشهر ثلاثين.
آراء العلماء
وتابع أن معناه: حتى لو ولد الهلال في السماء، لكنه لم يُرَ في الأرض؛ لأن العبرة برؤيته في الأرض، لا بولادته في السماء، والمراد برؤية الهلال ما هو أعم من رؤيته بالعين المجردة، أو رؤيته بالأجهزة الحديثة، كالتلسكوبات الفلكية، لافتا إلى أنه قد زعم بعضهم أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: “فاقدروا له”؛ الحساب الفلكي، المعتمد على المعادلات والتقديرات، وقد ناقش الإمام النووي هذا الرأي مناقشة علمية، فقال:
وأشار قائلا: “واختلف العلماء في معنى “فاقدروا له”، فقالت طائفة من العلماء: “معناه” ضيِّقوا له، وقدِّروه تحت السحاب”، وممن قال بهذا أحمد بن حنبل وغيره، ممن يجوِّز صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان، وقال ابن سُريج وجماعة – منهم: مُطَرِّف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون – : “معناه: قدِّروه بحساب المنازل”، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف؛ إلى أن معناه: “قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يوما”.
الرؤية الشرعية المرجع الأساسي
واحتج الجمهور بالروايات المذكورة، “فأكملوا العدة ثلاثين”، وهو تفسير لـ “اقدروا له”؛ ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا، ويؤكده الرواية السابقة: “فاقدروا له ثلاثين”، قال المازَري: “حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم: “فاقدروا له”؛ على أن المراد كمال العدة ثلاثين، كما فسَّره في حديث آخر، قالوا: “ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرِفه جماهيرهم.
واختتم حديثا مؤكدًا أنه بهذا يتبين لك الحكم فيما لو تعارضت الرؤية الشرعية مع الحسابات الفلكية؛ فإنه ينبغي اعتماد الرؤية الشرعية بالإجماع، وبما أسلفناه في هذا المقال من حجج، وأن الحساب الفلكي يُعتمد في النفي لا في الإثبات، وأنه لا يلزم إلا صاحبه، فله أن يصوم أو يفطر في خاصة نفسه، بناء على ما توصل إليه بالحساب، ومع ذلك فهو رأي شاذ، وبالله التوفيق.
