نجوى إبراهيم تكتب: دفن المواهب.. حين تنتصر السلطة على الإبداع داخل المؤسسات

تُعدّ ظاهرة “دفن المواهب” من أخطر الظواهر التي تُضعف المجتمعات من داخلها، إذ تقوم على تهميش الأفكار المبدعة وإقصائها لصالح أصحاب المناصب أو النفوذ الإداري، حتى وإن كانت تلك الأفكار أكثر جودة وقدرة على التطوير.

وأرى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ندرة المواهب، وإنما في البيئة التي لا تمنحها فرصة الظهور. ففي كثير من المؤسسات لا يتم تقييم الفكرة بناءً على قيمتها أو أثرها، وإنما بناءً على صاحبها وموقعه الوظيفي، وهو ما يؤدي إلى ظلم واضح للإبداع وإهدار للطاقات.

وفي الواقع، نجد أن العديد من الموظفين أو أصحاب الخبرات يملكون أفكارًا قادرة على إحداث تغيير حقيقي داخل مؤسساتهم، إلا أن هذه الأفكار قد تُقابل بالتجاهل أو التقليل من شأنها فقط لأنها صادرة عن أشخاص لا يملكون سلطة القرار. ومع تكرار هذا النمط، يبدأ المبدع في الانسحاب تدريجيًا، ويتحول إلى شخص يفضل الصمت على المشاركة، ليس لضعف في قدرته، وإنما نتيجة فقدان الثقة في جدوى طرح أفكاره.

وينتج عن ذلك خسارة مزدوجة، تطال الفرد من جهة، والمؤسسة من جهة أخرى، إذ تؤدي هذه البيئة إلى إضعاف روح الابتكار، وتكريس الجمود الإداري، وإعاقة أي محاولة للتجديد أو التطوير. ومع مرور الوقت، تفقد المؤسسات قدرتها على المنافسة والتقدم نتيجة إهمال العقول القادرة على صناعة الفارق.

ولا يقتصر هذا الأمر على بيئات العمل فحسب، بل يمتد إلى مجالات الفن والأدب والبحث العلمي، حيث شهد التاريخ العديد من النماذج لمواهب تم تجاهلها في بداياتها، قبل أن يتم الاعتراف بها لاحقًا بعد أن أثبتت قيمتها. وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في غياب الإبداع، وإنما في سوء استقباله وعدم الإنصاف في تقديره.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الحل يبدأ من تغيير جذري في ثقافة التقييم داخل المؤسسات، بحيث تُقاس الفكرة بجدواها وأثرها، لا بصاحبها أو موقعه الوظيفي. كما يجب إتاحة مساحة حقيقية للتجربة والنقاش، بعيدًا عن التحيزات الإدارية أو القيود التقليدية.

وفي النهاية، فإن دفن المواهب لا يُعد مجرد خطأ إداري عابر، بل هو خسارة حقيقية للمجتمع بأكمله، لأنه يحرم الواقع من فرص تطوير كان يمكن أن تغيّره نحو الأفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *