أبواب الإسكندرية القديمة.. شواهد حجرية على مدينة صنعت التاريخ

تقرير: نجوى إبراهيم
لم تكن الإسكندرية مجرد مدينة أسسها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، بل كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا، صُمم ليكون بوابة مصر على العالم القديم. وبين الأسوار الشاهقة التي أحاطت بالمدينة منذ نشأتها، برزت أبواب الإسكندرية كعنصر محوري، لعب دورًا بالغ الأهمية في التاريخ العسكري والاقتصادي والاجتماعي للمدينة، وهو ما أكدته كتابات المؤرخين القدامى والدراسات الحديثة على حد سواء.
قبل الإسكندر.. حين كانت الطبيعة هي السور
قبل تأسيس المدينة رسميًا، كانت المنطقة تُعرف بقرية «راقودة»، وهي تجمع سكاني مصري قديم اعتمد على الموانئ الطبيعية والطرق الساحلية. وتشير المصادر التاريخية إلى غياب الأسوار والأبواب بالمعنى المعماري المعروف لاحقًا، حيث شكل الموقع الجغرافي، بما يضمه من بحر وبحيرة مريوط، خطوط الدفاع الأولى للمنطقة.

تأسيس المدينة.. الأبواب تولد مع التخطيط العمراني
مع دخول الإسكندر الأكبر مصر ووضعه حجر الأساس للإسكندرية، بدأ تخطيط المدينة وفق رؤية هندسية دقيقة. ويذكر المؤرخ الإغريقي سترابون في كتابه الجغرافيا أن الإسكندرية أُحيطت بأسوار قوية تخللتها مداخل رئيسية، نظمت حركة الدخول والخروج وربطت المدينة بمحيطها الجغرافي والتجاري.
وفي العصر البطلمي، اكتملت هذه المنظومة الدفاعية، وبرزت عدة أبواب رئيسية، من بينها باب كانوب، المرتبط بالطريق المؤدي إلى مدينة كانوب القديمة (أبو قير حاليًا)، والذي تشير كتابات ديودور الصقلي إلى أهميته في المواكب الدينية والحركة التجارية. كما عُرف باب الشمس في الجهة الشرقية كمدخل رئيسي للقادمين من دلتا النيل، بينما لعب باب القمر في الغرب دورًا محوريًا في حركة القوافل المتجهة نحو الصحراء الليبية، إلى جانب باب البحر المطل على الميناء الشرقي، والمخصص للحركة البحرية والعسكرية.
العصر الروماني.. من بوابات عبور إلى مراكز سيطرة
لم تفقد أبواب الإسكندرية أهميتها مع دخول المدينة تحت الحكم الروماني، بل شهدت عمليات ترميم وتحصين واسعة. وتؤكد المصادر التاريخية والدراسات الأثرية أن الأبواب تحولت إلى نقاط مراقبة وجباية، تُفرض عندها الضرائب وتُدار من خلالها حركة التجارة، وهو ما يتسق مع السياسة الرومانية في إحكام السيطرة على المدن الكبرى. ويشير الباحث الدكتور مصطفى العبادي إلى أن استمرار استخدام الأبواب وتطويرها يعكس المكانة الاستراتيجية للإسكندرية كعاصمة لمصر ومركز عالمي للتبادل التجاري.
الزلازل وتغير العصور.. اندثار الأبواب وبقاء الأسماء
تعرضت الإسكندرية عبر تاريخها الطويل لعدة زلازل وتغيرات عمرانية متلاحقة، خاصة منذ العصور الإسلامية، ما أدى إلى اندثار معظم الأبواب القديمة. وتشير كتابات المقريزي وابن عبد الحكم إلى ظهور أبواب جديدة، مثل باب رشيد، تماشيًا مع الامتداد العمراني للمدينة، في حين بقيت أسماء الأبواب الأقدم حاضرة في كتب التاريخ وذاكرة المكان.
كما تؤكد تقارير المجلس الأعلى للآثار أن بقايا الأسوار والأبراج التي كُشف عنها في شرق وغرب الإسكندرية تتوافق مع الروايات التاريخية حول مواقع الأبواب القديمة، رغم اختفائها الظاهري.
أبواب غابت.. وهوية لم تغب
لم تكن أبواب الإسكندرية مجرد ممرات حجرية، بل كانت شواهد على قوة المدينة وتنظيمها وانفتاحها الحضاري. ورغم غيابها المادي اليوم، فإن هذه الأبواب لا تزال تفتح أمامنا صفحات من تاريخ مدينة لم تتوقف يومًا عن لعب دورها كجسر حضاري بين الشرق والغرب.




