أخبار

محاسبة النفس.. طريق الصفاء والرفعة عند الله

أكد فضيلة الدكتور محمد عبد الدايم الجندي، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، أن النفس لا تظهر إشراقتها ولا يتجلى نورها إلا إذا تعرضت للمجاهدة والتربية، مشيرًا إلى أن الإنسان يعيش صراعًا داخليًا محتدمًا بين قوتين متضادتين؛ إحداهما مادية أرضية ظلمانية تدفعه نحو الغفلة، الحقد، الحسد، والضغينة، والأخرى روحانية نورانية سامية تقوده نحو ذكر الله، الصيام، وحفظ اللسان. واستشهد بقول الله تعالى: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا”، مؤكدًا أن هذا الصراع هو المحك الحقيقي الذي يختبر إرادة الإنسان وقدرته على السمو الروحي.

وأضاف فضيلته، خلال درسه الذي ألقاه في صلاة التراويح بالجامع الأزهر، أن اللسان يعد من أخطر أدوات الإنسان، فهو سبب كثير من الذنوب، ولهذا كان الصحابي الجليل أبو بكر الصديق يضع حصاة في فمه ليمنع نفسه من الكلام الذي قد يورده موارد الهلاك، قائلاً: “هذا الذي أوردنا الموارد”، في إشارة إلى خطورة الغيبة والنميمة وسوء القول.

النفس بين المجاهدة والاستسلام

أوضح الدكتور الجندي أن الإمام الغزالي وصف النفس بأنها مستودع الصفات المذمومة، والتي تمثل القوة الحيوانية في الإنسان، وهي على النقيض من القوة الروحية التي تدفعه نحو الخير والسمو، مشيرًا إلى أن الصحابة الكرام أدركوا خطورة هذه النفس، فبذلوا جهدًا عظيمًا لمجاهدتها، متخلين عن متاع الدنيا في سبيل الله.

وضرب فضيلته أمثلة على محاسبة النفس من سيرة السلف الصالح، موضحًا كيف كان الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحاسب نفسه بشدة، فعندما ضاعت عليه صلاة المغرب في جماعة، تصدق بمائتي ألف درهم كتعويض عن تقصيره، كما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه شديد الحرص على الصلاة في وقتها، وعندما فاتته صلاة العصر في جماعة، قام الليل كله محاسبة لنفسه.

أما أبو يزيد الرقاشي، فقد كان نموذجًا حيًا لمن يدرك أهمية المحاسبة الذاتية، إذ كان يخاطب نفسه قائلاً: “ويحك يا يزيد، من يصلي عنك عند ربك بعد موتك؟ ومن يصوم عنك؟ ومن يتصدق عنك؟”، ثم كان يناشد الناس بالبكاء والتأمل في حقيقة الموت، قائلاً: “أيها الناس، ألا تنوحون؟ ألا تبكون؟ من الموت طالبه، والدود أنيسه، والقبر داره، والتراب فراشه، فما بالكم بالفزع الأكبر الذي تنتظرون؟”.

منافذ النفس.. بين النور والظلمة

تحدث أمين عام مجمع البحوث الإسلامية عن أهمية مراقبة المنافذ التي تؤثر على القلب وأعمال الإنسان، مشيرًا إلى أن الإنسان يمتلك ثلاثة منافذ رئيسية، وهي:

العين: التي تعمل كآلة تصوير، تلتقط صور الأشياء، إما أن تعكس نورًا يضيء القلب، أو ظلمة تملؤه بالسواد.

اللسان: الذي يشبه الشوكة في الجوف، فإذا استخدم في الغيبة والنميمة، صب ظلمة في القلب، وإذا استخدم في ذكر الله، صب فيه نورًا.

السمع: وهو منفذ مفتوح على القلب، فإما أن يملأه بالخير والذكر، أو أن يجلب إليه السواد بسماع الكلام الباطل.

المحاسبة طريق الصفاء والرفعة

أكد الدكتور الجندي في ختام حديثه أن محاسبة النفس هي السبيل الأوحد لتطهير القلوب ورفع درجاتها عند الله، داعيًا المسلمين إلى التوقف بين الحين والآخر لمراجعة أنفسهم وأعمالهم، حتى لا تجرهم الدنيا إلى الغفلة، مشيرًا إلى أن محاسبة النفس ليست مجرد عادة، بل هي عبادة تُعين الإنسان على تحقيق التوازن بين حاجاته المادية وروحه السامية.

وأشار إلى أن محاسبة النفس تمنح الإنسان فرصة لتصحيح مساره، والاستغفار عن تقصيره، والتقرب أكثر إلى الله، مشددًا على أن أعظم الناس هم الذين يقفون مع أنفسهم بصدق، ويحاسبونها على تقصيرها، ليزدادوا قربًا من الله ونورًا في قلوبهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى