الرئيسيةعرب-وعالم

بعد تصريحات ترامب.. ما معنى دول العالم الثالث وأين اختفى العالم الثاني؟

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الهجرة بشكل دائم من “دول العالم الثالث” جدلًا واسعًا، لا سيما بعد أن كشفت وزارة الأمن الداخلي أن المقصود بالدول هي 19 دولة مدرجة أصلًا في قائمة حظر السفر الأمريكية.

والدول الـ19 هي ليبيا، والسودان، واليمن، والصومال، وإيران، وأفغانستان، وبورما (ميانمار)، وبوروندي، وتشاد، وكوبا، وجمهورية الكونغو، وغينيا الاستوائية، وإريتريا، وهايتي، ولاوس، وسيراليون، وتوغو، وتركمانستان، وفنزويلا.

لكن الضجة الأكبر لم تكن بسبب أسماء الدول، بل بسبب المصطلح ذاته: ماذا يعني “العالم الثالث” ولماذا ما زال يستخدم رغم أن الكثير من الباحثين يعتبرونه توصيفًا مضللًا أو قديمًا؟

هذا السؤال حاول أن يجيب عليه الباحث إيفان أندروز على موقع “الاشتراكية العالمية”، معتبرًا أن الناس يستخدمون مصطلح “العالم الثالث” كاختصار للدول الفقيرة أو النامية، بينما توصف الدول الأكثر ثراء مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية بأنها جزء من “العالم الأول”. غير أن الإشكال يكمن في جذور هذه الفروق: من أين أتت هذه التصنيفات ولماذا يكاد لا يسمع أحد بمفهوم “العالم الثاني”؟

من أين جاء مفهوم “العوالم الثلاثة”؟

يشير أندروز إلى أن نموذج “العوالم الثلاثة” ظهر للمرة الأولى في منتصف القرن العشرين، خلال ذروة الحرب الباردة، كوسيلة لرسم خرائط الجغرافيا السياسية.

وينسب المؤرخون هذا التقسيم إلى عالم الديموغرافيا الفرنسي ألفريد سوفي الذي صاغ مصطلح “العالم الثالث” في مقال عام 1952 بعنوان “ثلاثة عوالم، كوكب واحد”.

وفق هذا التصنيف:

  • العالم الأول: الولايات المتحدة وحلفاؤها الرأسماليون في أوروبا الغربية واليابان وأستراليا.
  • العالم الثاني: الاتحاد السوفياتي الشيوعي و”أقماره الاصطناعية” في أوروبا الشرقية.
  • العالم الثالث: الدول التي لم تكن متحالفة مع أي من الجانبين، وغالبًا ما كانت مستعمرات أوروبية سابقة فقيرة، تشمل أفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وآسيا، أو ما سُمّي لاحقًا دول عدم الانحياز.

ماذا بقي من هذا النموذج اليوم؟

شرح أندروز أن المصطلح تغير جذريًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ فقد اختفى “العالم الثاني” تمامًا، بينما أصبح “العالم الثالث” مرادفًا للدول النامية.

ومع ذلك، يرى العديد من الأكاديميين أن التسمية عفا عنها الزمن، وبدأوا يعتمدون بدائل مثل:

  • البلدان النامية
  • البلدان المنخفضة الدخل
  • الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل

لكن المصطلح يستمر في التداول الشعبي والسياسي، وغالبًا بطريقة غير دقيقة.

 التصنيفات العالمية والصورة الذهنية

أوضحت المعلومات التي اعتمد عليها أندروز أنه في بداية كل عام أو نهايته تنشر المؤسسات الإحصائية لوائح وتصنيفات مختلفة حول أغنى الدول، أو أكثرها رفاهًا، أو الأكثر أمنًا، أو الأفضل في التعليم والحوكمة والدخل القومي.

وبقت المراتب شبه ثابتة، حيث تتصدر الدول الإسكندنافية عادة لوائح الرفاه. بينما تسجل الصين أسرع نمو في الدخل القومي، حتى خلال جائحة كورونا.

كما تتصدر الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية قوائم الصناعات الثقيلة والدقيقة وصناعة الآلات العسكرية والمدنية.

وفي المقابل، تنشر قوائم “الأسوأ” التي تضع دولًا مثل الصومال أو العراق أو أفغانستان في أدنى المراتب أمنيًا. وتضع دولًا أخرى مثل لبنان أو العراق أو ليبيا في مراتب الأسوأ في الفساد الإداري.

ورغم تأثير هذه التصنيفات على سمعة الدول، فإن الإعلام يتعامل معها كمرجع جاهز دون التدقيق في مصادرها أو آليات إعدادها. ما يمنح شركات الإحصاء القدرة على صياغة سرديات تخدم توجهاتها السياسية.

كيف يستخدم التصنيف سياسيًا؟

أشارت المعلومات إلى أن بعض شركات الاستطلاع قد تضع الدول “الأسوأ” دائمًا في خانة الدول المعترضة على السياسة الأمريكية. أو تلك القريبة من روسيا أو الصين أو إيران، بينما تدرج حلفاء واشنطن في المراتب العليا.

ولأن استطلاعات الرأي قد تؤثر في الرأي العام، فهي تمنح هذه الشركات نفوذًا سياسيًا واسعًا. خاصة في الدول الليبرالية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا. حيث توجد مؤسسات استطلاع مرتبطة مباشرة بالأحزاب السياسية.

هذه المؤسسات تبث إحصاءات بشكل دائم، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية. في سباق على استقطاب الرأي العام المتقلب، ما يجعل التصنيفات أداة سياسية لا تقل تأثيرًا عن الخطاب الرسمي نفسه.

ترامب والعالم الثالث

كشفت تصريحات ترامب عن “دول العالم الثالث” أن المصطلح ما زال يستخدم سياسيًا. رغم أن جذوره تعود إلى حرب باردة مضت، ورغم أن كثيرًا من الأكاديميين يعتبرونه توصيفًا متجاوزًا لا يعكس واقع العلاقات الاقتصادية والتنموية المعاصر.

وبينما يتراجع استخدام المصطلح في الأدبيات العلمية. يبدو أنه ما زال حاضرًا بقوة في الخطاب الشعبوي، وفي التصنيفات التي قد تخلق صورة ذهنية مشوّهة عن دول بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى