أكشاك عشوائية تبتلع شوارع أسيوط.. بين وعود التنظيم وواقع الفوضى

كتب / محمد أحمد هادي
في شوارع أسيوط المزدحمة، لم تعد الأرصفة ملكًا للمارة، بل تحولت إلى مساحات محتلة من أكشاك عشوائية تمددت بلا حساب. مشهد يومي يعكس صراعًا بين الفوضى والقانون، وبين أحلام شباب يبحثون عن فرصة عمل وحياة كريمة، ونفوذ آخرين يحصدون المكاسب بعيدًا عن الضوابط. ورغم تصريحات رسمية متكررة عن رفض هذه الظاهرة، إلا أن الواقع الميداني يروي قصة أخرى.

طمس الهوية البصرية لأسيوط… النيل خلف الجدران لم تعد واجهة أسيوط النيلية كما كانت، إذ ابتلعت التعديات مساحات الكورنيش، وتحولت إلى انشاءات لتصبح محلات وكافتيريات تمتد كجدارٍ أسمنتي يشوه الرؤية البصرية لاسيوط ويعزل الأهالي عن نهر النيل كالفردوس والكورنيش وهكذا فقدت المدينة أحد أهم مقومات جمالها وهويتها البصرية: المشهد المفتوح على النيل

الأرصفة لم تعد للمارة : يروى احمد مظهر إذا تجولت في شوارع وسط أسيوط – من ميدان عمر مكرم حتى ميدان المحطة – ستجد الأرصفة محتلة بأكشاك خشبية أو معدنية متلاصقة. بعضها بين ماكولات ومشروبات ، وأخرى تحولت إلى “دكاكين صغيرة.
اضاف مظهر المشكلة لم تعد مقتصرة على تشويه المظهر الحضاري، بل أصبحت أزمة يومية: المارة يضطرون للسير في وسط الشارع معرضين أنفسهم لحوادث السيارات، وأصحاب المحال يشكون من منافسة غير عادلة، فيما تتراكم القمامة حول هذه الأكشاك بلا رقابة.

شباب أسيوط… بين الإقصاء والحرمان
قال محمد ابوالعلا الأكثر مرارة أن هذه الأكشاك التي يُفترض أن تكون وسيلة لتشغيل الشباب لا تذهب إلى مستحقيها. “إحنا بنسمع إن الأكشاك بتتوزع للمحتاجين، لكن في الحقيقة اللي بياخدها هو اللي معاه واسطة أو فلوس”، هكذا قال محمد (40 عامًا) خريج تجارة لم يجد عملًا منذ ثلاث سنوات.
أما ميادة (23 عامًا) خريجة خدمة اجتماعية، فتقول: “أنا قدمت مرتين عشان احصل على كشك تابع للمحافظة، وكل مرة يقولوا لي لايوجد مكان . وبعد ايام نجد كشك اتسلم لشخص معروف إنه على صله من مسؤول.
كثير من الشباب يرددون أن الأكشاك تحولت إلى وسيلة للربح السريع لفئة محدودة، بدلًا من أن تكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية. محمد (30 عامًا) يضيف: “لو التوزيع كان عادل، كنا هانشوف شباب شغال وبيستر نفسه. لكن اللي حاصل إن الشغل رايح لناس مش محتاجة”.

موقف رسمي على الورق: اللواء هشام أبو النصر، محافظ أسيوط، أكد أكثر من مرة أنه “لن يسمح بوجود بؤر عشوائية أو أكشاك غير مرخصة في وسط المدينة”،، كما أعلن المحافظ فتح باب التراخيص لإقامة أكشاك حضارية منظمة، بشروط محددة، منهاتوفير ثلاث سلع على الأقل بأسعار مخفضة بين 5٪ و20٪ عن سعر السوق.تشغيل نسبة لا تقل عن 5٪ من ذوي الهمم.
الالتزام بالسجل التجاري والمرافق القانونية.
إسقاط الترخيص فور مخالفة الضوابط.
الإجراءات تبدو مثالية، لكن الميدان يثبت أن التنفيذ لا يسير بنفس القوة. فالأكشاك العشوائية ما زالت موجودة، بل تزداد يومًا بعد يوم، وكأن القرارات مجرد بيانات بلا متابعة حقيقية.

بين الوعود والتطبيق
هنا يبرز التناقض: من ناحية، المحافظة تعلن نيتها القضاء على الفوضى وتنظيم الأكشاك لدعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل للشباب. ومن ناحية أخرى، الواقع يكشف عن استمرار نفس الممارسات القديمة، حيث يحصل أصحاب النفوذ على تراخيص، فيما يتم تهميش الشباب البسطاء.
يقول سامي (28 عامًا): “أنا مش ضد فكرة الأكشاك، بالعكس هي ممكن تكون مشروع ينقذ شباب كتير. لكن مشكلتي إن اللي بيستفيد هم نفس الناس اللي معاهم فلوس طيب إحنا نروح فين؟”.

المواطنون يطالبون بالمحاسبة
مع تزايد غضب الشارع الاسيوطي، بدأ كثير من المواطنين يطالبون بفتح تحقيق رسمي لتحديد المسؤول عن هذه الفوضى. هل هم مسؤولو الأحياء الذين يغضون الطرف عن المخالفات؟ أم بعض موظفي المحليات الذين يتساهلون مع المتجاوزين؟ أم أن المشكلة في غياب الرقابة بعد إصدار التراخيص؟
الشارع الأسيوطي يريد شفافية كاملة في آلية التخصيص، مع نشر أسماء المستفيدين على العلن، والتأكد من وصول هذه المشروعات إلى الشباب المستحقين، لا إلى أصحاب المصالح الخاصة.

تجارب المحافظات الأخرى
المفارقة أن بعض المحافظات المجاورة – مثل المنيا وسوهاج – بدأت بالفعل في تطبيق مشروعات الأكشاك الحضارية بشكل منظم، عبر إنشاء “أكشاك موحدة الشكل” مرتبطة بالكهرباء والصرف الصحي، ما جعلها إضافة للمشهد الحضري بدلًا من أن تكون مصدر فوضى.
المواطنون في أسيوط يتساءلون: لماذا لا نرى نموذجًا مشابهًا هنا؟ هل المشكلة في نقص الإمكانيات أم في غياب الإرادة الصارمة لتطبيق النظام؟
الخاتمة: بين القانون ومصالح الأقوى
في النهاية، تظل أزمة الأكشاك في أسيوط أكبر من مجرد فوضى في الشوارع. إنها قضية عدالة اجتماعية، وامتحان حقيقي لمدى قدرة الأجهزة التنفيذية على فرض النظام ومحاسبة المتجاوزين.
بين وعود التنظيم وواقع الفوضى، يقف شباب أسيوط في المنتصف، يراقبون المشهد بقلوب مثقلة بالخيبة، متسائلين:
“هل يأتي يوم يحصل فيه الشاب البسيط على فرصته العادلة، أم ستبقى الأرصفة حكراً على من يملك المال؟”
