مقالات

أمريكا والهدف الأسمى لها

بقلم: محمد كامل العيادي

ترسّخ الولايات المتحدة والغرب، مفهومًا راسخًا لدى العالم، وهو أن المصلحة فوق كل شيء، وأن الجميع بخير ما داموا عملاء لهم، والولايات المتحدة الأمريكية؛ بصفتها القوة العظمى والقطب الأوحد عالميًّا، تتفرد في استقطاب الأصدقاء لخدمة مصالحها، وكذلك في التخلص منهم، فقد ذاق جميع أصدقائها مرارة التعامل معها، ولن نتطرق لجميع الحالات، بل سنركز على حالة الكونغو ورجلها الحر “باتريس لومومبا” الذي رفض الرضوخ لأمريكا، و بلجيكا من قبل، ولذلك، دبروا له مكيدة أطاحت به، ثم أُعدم رميًا بالرصاص الحي، بعد فشلهم في إخضاعه، أو شرائه.

ولقد تم انتخاب “لومومبا” رئيسًا للحكومة الكونغولية في 30 يونيو 1960م، لكن أمريكا رفضت هذا الاختيار؛ لأنه كان راديكاليًا، ولا يحمل ولاءً للولايات المتحدة، بل كان يمثل ظاهرة ثورية قد تنتشر في أفريقيا، مما قد يضر بالمصالح الأمريكية، وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر والخوف منه، زار “لومومبا” أمريكا في يوليو 1960، والتقى بوزير خارجيتها، وأثناء الإجتماع طلب منه الوزير الأمريكي التخلي عن الاتجاه المستقل، وألا يهتم بما يُسمى المصالح الوطنية لبلاده، أي بعبارة أخرى: “كُن عميلًا لنا”. فتمعّر وجه “لومومبا” غيظًا، ورفض الكلام جملة وتفصيلاً، ونتيجة لذلك، كتب وزير الخارجية تقريرًا عن المقابلة، مفاده أنه يستحيل التفاهم مع هذا الرجل، وبعد أقل من شهر من زيارة “لومومبا”، عُقد اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي في أغسطس 1960، واتُّخذ فيه قرار بالتخلص منه ومن حكومته، بمشاركة الرئيس الأمريكي، وشمل القرار أيضًا صديقهم الوفي، الرئيس الكونغولي “كاسافوبو”، الذي أصدر قرارًا بإقصاء “لومومبا” من منصب رئيس الحكومة من قبل، رغم مخالفة ذلك للدستور الكونغولي.

وبعد أن أصبح الرئيس “كاسافوبو” غير فعال، ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية “موبوتو”، قائد الجيش الكونغولي في الانقلاب عليه والاستيلاء على السلطة، وبالفعل لقد لعب “موبوتو” دورًا مهمًا في تصفية “لومومبا”، وبعد التخلص منه، بدأت أمريكا في تنفيذ خطوتها التالية، وهي وراثة الاستعمار البلجيكي، والتحكم في الثروات الكونغولية الهائلة، بما في ذلك المياه، والمعادن، والأرض، ولتسهيل ذلك، تم تعطيل العمل بالدستور، وحل البرلمان وإلغاء الأحزاب، واستُخدم الجيش لإدارة شؤون الكونغو، وقام “موبوتو” بتأسيس “الحركة الشعبية للثورة” عام 1967، لتكون الحزب الوحيد في الكونغو، كما تم بناء تمثال للزعيم الراحل “لومومبا” وإطلاق لقب “شهيد الاستقلال الأول” عليه، وذلك لتمرير أجندته الخاصة في الدستور الذي منحه سلطة رئيس الدولة، بعد أن كانت بيد رئيس الحكومة، وفي عام 1969 أصدر “موبوتو” قوانين لتشجيع الاستثمارات الأجنبية، لكن الاقتصاد لم يتحسن، فأصدر قرارًا بتأميم العديد من الشركات الخاصة، ليتراجع لاحقًا عن هذا القرار عام 1967، ومع استمرار تدهور الاقتصاد، أصدر قرارًا بإقالة السياسيين، واستبدالهم بخبراء تقنيين ذوي خبرة اقتصادية، لكن هذا أدى إلى توقف تصدير النحاس وازدياد الوضع سوءًا.

وفي عام 1977، واجه “موبوتو” احتجاجات ضده، فاستعان بقوات أجنبية، تحديدًا فرنسا، وبلجيكا، لكبح هذه الاحتجاجات وإنهاء التمرد، وتم إعدام العديد من العسكريين الكونغوليين، مما زاد من كراهية الشعب له، تلا ذلك إضراب عام بقيادة “لوران كابيلا” الذي وحّد الشعب والقبائل حوله، وبمساعدة أمريكية أيضًا، وقد تمت السيطرة على الكونغو وهرب “موبوتو” إلى المغرب عام 1997. وتوفي بالسرطان بعد هروبه بخمسة أشهر فقط، وبدأت مرحلة أخرى من الاستبداد من “كابيلا” الرئيس الجديد حتى تم إطلاق النار عليه في يناير 2001، لتنتهي مرحلة أخرى مليئة بالخيانة والعمالة ضد مصالح الكونغو.

ونشهد اليوم في إيران فصلاً آخر من سجل العمالة والخيانة، والذي يبدو أنه قد انتهى بالنسبة لخامنئي وحكام إيران الحاليين، كما انتهى بالنسبة لـ”محمد رضا بهلوي”، شاه إيران، الذي استخدمته أمريكا ثم تخلت عنه، فعبّر عن استيائه للسفير الأمريكي “ويليام سوليفان”، مشيراً إلى مؤامرة تُحاك ضده، معرباً عن حزنه لكون وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي من تقف وراءها، رغم توقعاته بأن تكون من السوفييت، أو الإنجليز.

لقد تسببت المخابرات الأمريكية المركزية، في تعقيد الحياة السياسية، والاقتصادية للشاه، مما مهد لسقوطه، ففي أكتوبر 1978، تلقى الشاه رسالة من الإدارة الأمريكية تطلب منه مغادرة البلاد، ليعيش بقية حياته منفياً ومطروداً، هذا الرجل الذي أُنشئت على أرضه قاعدة عسكرية أمريكية، تضم أحدث الأسلحة، والرادارات، وأجهزة التجسس التي استُخدمت لمراقبة الدول العربية، وخصم أمريكا اللدود، الاتحاد السوفيتي.

وبعد “الشاه”، جاء “آية الله الخميني” كعميل جديد، مستخدماً الغطاء الإسلامي لضرب الإسلام نفسه، حيث أشعل الحروب في لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، وأثار الفتن في السعودية، ويبدو أن مصيره قد يقترب مما حدث لـ”شاه إيران”.

فما يحدث في إيران قد يكون مقدمة لصراع جديد تشترك فيه دول عديدة، ما قد يضع العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة تدفع به إلى الهاوية، ليبدأ العالم حياة جديدة، إن ما يجري هو درس قاسٍ يجب على الجميع استيعابه، فالشعوب هي الدرع الحصين الذي يحمي جسد الأمة من أي اعتداءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى