وكيلة كلية الدراسات الإسلامية بسوهاج لـ«اليوم»: الهجرة دروس في الصبر والثبات والتضحية

كتبت: آية جمال
تحتفل الأمة الإسلامية ببداية العام الهجري الجديد 1447هجريا، فلم تكن هجرة النبي، صل الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة؛ مجرد انتقال من مكان إلى مكان، ولا تحوُّلٍ من الخوف إلى الأمان، فهو حدث عظيم غيّر مجرى التاريخ.
صحيفة “اليوم” أجرت حوارًا مع الأستاذة الدكتورة فاطمة محمد محمد المهدي، أستاذ البلاغة والنقد ووكيل الدراسات العليا والبحوث في كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بسوهاج جامعة الأزهر الشريف، والتي تحدثت في سياق الهجرة النبوية وأسبابها والفوائد التربوية، والدروس المستفادة منها وفضل صيام يوم عاشوراء.
كيف نُعرّف الهجرة النبوية؟ وما هو سياقها التاريخي؟
في البداية أهنئ الشعب المصري وأهالي محافظة سوهاج بمناسبة بداية العام الهجري الجديد، فالهجرة النبوية تعني انتقال النبي محمد صل الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة (يثرب سابقًا) بعدما اشتد أذى قريش للمسلمين، فكانت هذه الخطوة إيذانًا بمرحلة جديدة في بناء الدولة الإسلامية، وقد وقعت الهجرة في السنة الثالثة عشرة من البعثة، وكانت بأمر من الله تعالى، بعد صبر طويل على الأذى والتكذيب.
ما أبرز أسباب الهجرة؟ ولماذا لم يستمر النبي في الدعوة من مكة؟
فمن أبرز الأسباب اشتداد الأذى تعرض النبي وأصحابه لأذى جسدي ونفسي واقتصادي،وحصار الدعوة فلم تعد مكة مكانًا آمنًا لتبليغ الرسالة، وطلب النصرة حيث وجد النبي في أهل يثرب قبولًا ومناصرة، إضافة لبناء مجتمع إسلامي أراد صلى الله عليه وسلم تأسيس دولة قائمة على الحق والعدل.
ما هي الفوائد التربوية المستفادة من الهجرة النبوية؟
وتستكمل الدكتورة فاطمة حديثها عن الفوائد التربوية فهي كثيرة وعظيمة، أبرزها:-
1. الصبر والثبات: فالنبي صل الله عليه وسلم مكث 13 سنة يصبر في مكة قبل أن يهاجر.
2. التخطيط والأخذ بالأسباب: مع كون الهجرة بأمر إلهي، إلا أن النبي خطط بدقة، واختار الرفيق (أبا بكر)، والمرشد (عبدالله بن أريقط)، واستتر في الغار.
3. الإيمان بالقدر: رغم كل الحذر، كان التوكل على الله حاضرًا. كما قال لأبي بكر: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
4. التضحية: ترك الوطن، والمال، والأهل، في سبيل الله.
5. الأخوّة والتكافل: ظهرت في استقبال الأنصار للمهاجرين.
6. نصرة الحق: الهجرة نموذج عملي في الوقوف مع الحق مهما كانت التكاليف.
ما الرسالة التي توجهها لشباب الأمة في ضوء هذه المعاني؟
أقول لشبابنا تعلموا من النبي القدوة: ثباته، صدقه، وإيمانه،ولا تيأسوا إن واجهتم أزمات أو تحديات في طريقكم، فالنصر يأتي بعد الصبر،وخططوا لأهدافكم كما خطط النبي لهجرته، واجتهدوا في العمل الصالح ، اصحبوا الصالحين، كما اصطحب النبي أبا بكر،كونوا دعاة خير وأمل في مجتمعاتكم، وكونوا أنصارًا لقضايا الحق.

بعد وصول النبي إلى المدينة، كيف بدأ بناء المجتمع الإسلامي الجديد؟ وما الدور الذي أدّاه المسجد والمؤاخاة في هذه المرحلة؟
لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأهم لبنتين في بناء الدولة الإسلامية المسجد والمؤاخاة، فالمسجد لم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل كان هو المركز الرئيسي لحياة المسلمين فيه تُعلّم العقيدة، وتُبنى الأخلاق، ومنه تُنظم شؤون الدولة وتُدار الحروب وتُرسل السرايا،كان مكانًا للعلم والتشاور، ومأوى للفقراء والمحتاجين،حيث جمع المسلمين حول قيم الوحدة والعبادة والطهارة، فأدرك النبي أن النهضة تبدأ من المسجد، فبناه فور وصوله ليكون نواة المجتمع.
أما عن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: هذه الخطوة العبقرية مزجت بين البُعدين الاجتماعي والإيماني، حيث آخى النبي بين كل مهاجر وأنصاري، فأصبحوا إخوة حقيقيين،وتقاسموا المال والسكن والعمل، حيث أذابت هذه المؤاخاة الفروق الطبقية والقبلية وصنعت وحدةً لا مثيل لها في التاريخ، أساسها الإيمان لا المصالح الشخصية، وهكذا أسس النبي مجتمعًا متماسكًا، يجتمع في المسجد ويُبنى على الأخوّة، وهو ما تحتاجه أمتنا اليوم في زمن التمزق.
ذكرى عاشوراء والدروس المستفادة منها؟
وأوضحت وكيلة الدراسات العليا خلال حديثها لموقع “اليوم” تأتي ذكرى عاشوراء كل عام حاملةً معها عبق الإيمان، ووهج التاريخ، وروح العبرة، فهي ليست مجرد يوم في التقويم الهجري، بل هي محطة توقظ في النفس مشاعر الإيمان، وتعيد للأذهان مشاهد الصبر والنصر، والتضحية والثبات، وترسّخ في الوعي الإسلامي دروسًا خالدة لا تُنسى.
ويوافق يوم عاشوراء العاشر من شهر محرم، وقد عُرف هذا اليوم بفضله حتى قبل الإسلام، فكان أهل مكة يصومونه، كما ثبت في الحديث عن عائشة رضي الله عنها. ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومونه ويقولون: “هذا يومٌ نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله.” فقال النبي ﷺ: “نحن أحق بموسى منكم.” فصامه وأمر بصيامه.
حدثينا عن فضل صيام عاشوراء؟
من فضل هذا اليوم أن النبي ﷺ قال:”صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.”[رواه مسلم]،فهو فرصة عظيمة لتجديد التوبة وتطهير الصحائف من الذنوب، لا سيما في بداية عام هجري جديد.
ما هي الدروس الخالدة من ذكرى عاشوراء؟
وأوضحت الدكتورة فاطمة أن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي درسٌ مستمر تتربى عليه الأجيال، وتُشحذ فيه الهمم، وتُغرس فيه معاني الإيمان والصبر والرجاء،وهي أيضًا فرصة للمراجعة والتوبة، خاصة في بداية السنة، ليبدأ المسلم عامه الجديد بقلب نقي، وإيمان متجدد، وعهد جديد مع الله على السير في طريق الطاعة، مع الالتزام بمحموعة من القواعد من أهمها:-
1. التمسك بالعقيدة والثبات على الحق
في قصة سيدنا موسى عليه السلام، تتجلى عظمة التوكل على الله والثقة في نصره، رغم طغيان فرعون وجبروته، فحين ضاق الأمر بقومه، قال: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
2. الانتصار يأتي بعد الصبر
يظهر في هذا اليوم أن نصر الله لا يُنال إلا بالصبر والثبات، فبعد سنين من المعاناة والاضطهاد، جاء الفرج، وغرق الطغاة، ونجا المؤمنون، وهي سنة ماضية في تاريخ الأمم.
3. التضامن مع قضايا الحق
عندما قال النبي ﷺ: “نحن أحق بموسى منكم”, كان إعلانًا لوحدة الحق عبر الزمان، وأن المؤمنين جسدٌ واحد يتضامنون مع كل نبي وصاحب رسالة، ويقفون في صف المظلوم ضد الظالم مهما اختلفت الأزمان.
4. التربية على الشكر لله
صيام موسى عليه السلام لهذا اليوم كان شكرًا لله، وهذا دليل على أهمية تربية النفوس على شكر الله على نعمه، وربط العبادة بالحمد، لا بالعادة.
5. ضرورة التميز وعدم التشبه
لما عزم النبي ﷺ في آخر حياته أن يصوم تاسوعاء مع عاشوراء، قال: “لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع.”، ليخالف اليهود، ويُربي أمته على التميز في الشعائر
فلنستقبل عاشوراء بالنية الصادقة، والصيام الخالص لوجه الله، وبقلبٍ يتأمل في آيات النصر والعبرة، ويستلهم من هذا اليوم معاني الثبات، والرجاء، والثقة بالله عز وجل، ولنجعل من عاشوراء نقطة انطلاق نحو عام هجري جديد ملؤه الطاعة والخير والصلاح.
كلمة أخيرة بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية؟
الهجرة ليست فقط انتقالًا جغرافيًا، بل انتقال من الظلام إلى النور، من الجهل إلى العلم، ومن الخوف إلى الأمان، فعلينا أن نُجدد نية الهجرة في قلوبنا دومًا: هجرة من المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذكر، من التواكل إلى العمل،ونسأل الله أن يجعلنا ممن يتبعون نبيهم باطنًا وظاهرًا.







