تقارير-و-تحقيقات

مصر تسهّل عودة آلاف السودانيين طوعًا إلى وطنهم.. قطارات وخدمات مجانية تُجسّد عمق العلاقات الأخوية

مصر تُعيد السودانيين إلى ديارهم.. تنظيم نموذجي ودعم بلا حدود

مصر تُجسد الأخوة.. قطارات أسبوعية وخدمات مجانية لعودة السودانيين

تقرير: محمود عبد العظيم:

في خطوة إنسانية تُعبّر عن الروح المصرية الأصيلة وعمق العلاقات التاريخية مع السودان الشقيق، أطلقت مصر رسميًا أولى رحلات القطار المخصص لنقل الأشقاء السودانيين طوعًا من القاهرة إلى أسوان، تمهيدًا لعودتهم إلى وطنهم، وذلك بعد فترة طويلة من معاناة النزوح التي خلفتها الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023.

عودة السودانيين إلى ديارهم

وقد شكّل انطلاق القطار المخصص صباح الإثنين 21 يوليو 2025 علامة فارقة في تنظيم عمليات الإجلاء، حيث تحوّلت من مبادرات فردية ومتفرقة إلى خطة مؤسسية تُنفذ أسبوعيًا بالتنسيق بين وزارة النقل المصرية، والهيئة القومية لسكك حديد مصر، والسفارة السودانية بالقاهرة، ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية.

 انطلاق أول قطار رسمي للعائدين: تنظيم دقيق ورحلة أسبوعية

انطلق القطار رقم 1940 (درجة ثالثة مكيفة) من محطة مصر في القاهرة الساعة 11 صباحًا، حاملًا ما يقارب 1000 مواطن سوداني، باتجاه محافظة أسوان، حيث تزامن ذلك مع إجراءات أمنية وتنظيمية رفيعة المستوى داخل محطة رمسيس، إذ تواجدت عناصر من الشرطة المصرية ومشرفون سودانيون لتسهيل تحركات الركّاب، إلى جانب فرق تطوعية ساعدت في توزيع الوجبات وتنظيم الحقائب.

وأعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر أن الرحلات ستُسير بشكل أسبوعي كل يوم إثنين، وذلك لتخفيف الضغط على المنافذ الحدودية، وتوفير وسيلة نقل آمنة ومريحة، بدلًا من الاعتماد الكلي على الحافلات التي واجهت صعوبات لوجستية في السابق.

  أهداف المبادرة: تسهيل العودة الطوعية وتعزيز الروابط الأخوية

جاءت هذه المبادرة استجابة مباشرة للنداءات المتكررة من الجالية السودانية في مصر، والرغبة المتزايدة من آلاف السودانيين في العودة إلى بلادهم بعد هدوء نسبي في عدد من الولايات والمدن، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم.

وتهدف المبادرة إلى، توفير وسيلة نقل آمنة ومنظمة للعائدين السودانيين، وتخفيف الضغط الاقتصادي والمعيشي عن اللاجئين بعد نفاد الموارد الشخصية لكثير منهم، ودعم جهود إعادة الإعمار والاستقرار في السودان من خلال عودة الكفاءات وأرباب الأسر، إلى جانب تجسيد الدور المصري التاريخي في نصرة الأشقاء العرب والأفارقة في أوقات المحن.

وأوضحت وزارة النقل المصرية أن هذه الجهود تأتي تنفيذًا لتوجيهات الفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، الذي كلّف قيادات الهيئة القومية لسكك حديد مصر بتقديم كل ما يلزم لراحة الأشقاء السودانيين خلال رحلتهم حتى الوصول إلى ميناء السد العالي النهري.

خدمات مجانية متكاملة: من التذكرة إلى الوجبة

لم تتوقف المبادرة عند مجرد توفير وسيلة النقل، بل حرصت السلطات المصرية والسودانية على تأمين تجربة سفر إنسانية ومتكاملة، حيث شملت: “وجبات غذائية مجانية على متن القطار، وتوفير حقائب خاصة، مع نقل مباشر بالحافلات من أسوان إلى الداخل السوداني، بترتيب من الجانب السوداني، وإعفاء شامل من الغرامات أو المساءلة القانونية للعائدين المخالفين، إلى جانب تخصيص رقم موحد عبر واتساب (01557213251) لتسجيل الراغبين في السفر، بإشراف منظومة الصناعات الدفاعية السودانية”.

وذكرت أميمة عبد الله، رئيس لجنة العودة الطوعية، أن المبادرة بدأت بشكل محدود عبر الحافلات، وتمكنت خلال المرحلة الأولى من إعادة أكثر من 10,100 سوداني من مختلف المحافظات المصرية.

وأضافت أن المرحلة الثانية التي بدأت عبر القطارات تُعد أكثر تنظيمًا وأمانًا، وتُدار باحترافية عالية من قِبل الجهات الرسمية.

كما أشار عدد من المسؤولين إلى أن مبادرات مجتمعية مثل “راجعين لي بلد الطيبين” ساهمت في تنظيم حافلات مجانية للعائدين، حيث تسير المبادرة نحو 25 حافلة شهريًا.

شهادات العائدين: مصر كانت لنا وطنًا ثانيًا

رصدت “اليوم” مشاهد إنسانية مؤثرة داخل محطة رمسيس بالقاهرة، حيث احتشد مئات السودانيين من كبار السن والأسر والأطفال استعدادًا لرحلة العودة. ورُفعت لافتات كتب عليها “شكراً مصر”، بينما ارتدى المنظمون قمصانًا طُبعت عليها نفس العبارة.

قال مواطن سوداني: “في بداية المحنة، جئنا إلى مصر أم الدنيا، والآن حان وقت العودة. لم نشعر يومًا بالغربة هنا”.

فيما قال أحد الشباب السودانيين، وهو يذرف الدموع عند باب القطار: “ما شفنا منكم غير الخير والمودة.. المصريون علمونا معنى الشهامة والكرم”.

وأشار معتز سالم، أحد منظّمي الرحلات، إلى أن التنسيق مستمر منذ شهرين، وتم بالفعل ترتيب عودة أكثر من 300 ألف سوداني حتى الآن، بجهود مجتمعية ورسمية متكاملة.

المبادرات المجتمعية تُكمل الجهود الرسمية

أوضح محمد سليمان، مؤسس مبادرة “راجعين لي بلد الطيبين”، أن المبادرة بدأت في يونيو الماضي وتعمل بالتنسيق مع الجيش السوداني، حيث تُرسل كشوفًا بأسماء العائدين، وتُنظم نحو 25 حافلة شهريًا تقل ما يزيد عن 1000 شخص.

وأضاف أن المبادرة تستقبل طلبات مستمرة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، وأن هناك قوائم انتظار طويلة بسبب رغبة آلاف السودانيين في العودة مع تحسّن الظروف الأمنية داخل السودان.

 مصر والسودان.. جسد واحد في زمن المحن

تجسّد المبادرة المصرية-السودانية نموذجًا فريدًا في التعاون العربي-الإفريقي، إذ لا تقتصر على الجانب اللوجستي فقط، بل تحمل معانيًا إنسانية وأخوية عميقة، تُظهر أن مصر لا تتخلى عن أشقائها في أوقات الشدة، بل تفتح أبوابها، وتبذل كل ما في وسعها لتوفير الأمان والكرامة لهم حتى آخر لحظة.

وتبقى هذه المبادرة شهادة تاريخية على أن مصر والسودان ليسا دولتين متجاورتين فقط، بل شعب واحد في جسدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى