أوكرانيا خارج الطاولة.. هل تمهد محادثات الرياض لاتفاق أميركي روسي؟

في خطوة دبلوماسية رفيعة المستوى، استضافت العاصمة السعودية الرياض اجتماعًا استثنائيًا بين كبار المسؤولين الأميركيين والروس، الثلاثاء، بهدف البحث عن حلول لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية والتباحث حول الأمن الأوروبي والعالمي.
ويعد هذا اللقاء الأول من نوعه منذ اندلاع النزاع في 24 فبراير 2022، حيث شارك فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي مايك والتز والمبعوث الخاص لترمب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمستشار الدبلوماسي للكرملين يوري أوشاكوف، وبحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ومستشار الأمن القومي السعودي مساعد بن محمد العيبان.
لماذا الرياض؟
تمثل الرياض اليوم أحد المراكز الدبلوماسية المحورية في السياسة الدولية، حيث تمتلك علاقات وثيقة ومتوازنة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، مما جعلها وسيطًا مقبولًا للطرفين في قضايا الأمن والاستقرار العالمي.
كما يعكس هذا الاجتماع ثقة القوى العظمى في الدور المتنامي للمملكة في حل النزاعات الدولية، خاصة بعد نجاحها في استضافة مفاوضات سلام ووساطات دولية عديدة، من بينها جهود إنهاء الحرب في السودان وتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن.
وأشارت وزارة الخارجية السعودية في بيان رسمي إلى أن استضافة المحادثات الروسية الأميركية تأتي “في إطار مساعي المملكة لتعزيز الأمن والسلم في العالم”، مؤكدة التزام الرياض بدعم الحلول السلمية للصراعات الدولية الكبرى.
نتائج الاجتماع ومخرجاته
تمخض الاجتماع عن عدة نتائج مهمة، كان أبرزها الاتفاق على تشكيل فرق تفاوض رفيعة المستوى من الجانبين الأميركي والروسي للعمل على وضع خارطة طريق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع أن الهدف الأساسي من هذه المباحثات هو التوصل إلى “اتفاق دائم وعادل يضمن مصالح جميع الأطراف”، مشيرًا إلى أهمية إشراك الاتحاد الأوروبي في أي مفاوضات مستقبلية تخص أمن القارة الأوروبية.
من جانبه، وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف المحادثات بأنها “مثمرة”، وأكد أن واشنطن بدأت تفهم موقف بلاده بشكل أفضل.
وشدد على أن أي حل يجب أن يأخذ في الاعتبار الضمانات الأمنية لروسيا، وخاصة منع توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أوكرانيا أو نشر قواته هناك.
شروط روسيا لإنهاء النزاع
حددت موسكو عدة شروط لإنهاء الحرب، أبرزها:
- الاعتراف بضم المناطق التي سيطرت عليها روسيا، وتشمل دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزاباروجيا، إضافة إلى شبه جزيرة القرم.
- ضمانات أمنية دولية بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، باعتبار أن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا لروسيا.
- إعادة هيكلة الأمن الأوروبي، وهو مطلب روسي قديم يدعو لسحب قوات الناتو من شرق أوروبا وتقليل نفوذه العسكري في المنطقة.
- تفاهمات اقتصادية بشأن الموارد الطبيعية، حيث تسيطر روسيا حاليًا على 80% من احتياطات الغاز الأوكرانية في البحر الأسود و53% من المعادن النفيسة في المناطق التي استولت عليها.
اللواء محمد عبد الواحد: الحل لن يكون مجرد اتفاق بل “صفقة شاملة”
يرى اللواء محمد عبد الواحد، الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الأمن القومي، أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان القدرة على إنهاء الحرب، لكن ذلك لن يتم من خلال اتفاق تقليدي بل عبر “صفقة شاملة” قد تمتد إلى ملفات أخرى، مثل الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
وأكد اللواء عبد الواحد أن الحرب لها أبعاد اقتصادية عميقة، مشيرًا إلى أن المناطق التي سيطرت عليها روسيا تمثل نحو 20% من أراضي أوكرانيا، وتحتوي على نسبة كبيرة من ثرواتها الطبيعية.
وأضاف أن زيلينسكي كان يرفض في السابق أي وقف لإطلاق النار دون انسحاب روسي كامل، لكنه اضطر إلى تعديل موقفه بعد فشل أوكرانيا في استعادة هذه المناطق عسكريًا.
وأشار إلى أن القبول بصفقة تنص على خروج روسيا من بعض الأراضي مقابل ضمانات أمنية لأوكرانيا، قد يكون السيناريو الأقرب للحل.
انتقادات أوكرانية
على الرغم من أهمية الاجتماع، إلا أنه واجه انتقادات حادة من أوكرانيا، حيث وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المحادثات بأنها “غير عادلة”، لأنها تجري “دون مشاركة أوكرانيا”.
ودعا إلى إشراك الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وتركيا في أي مفاوضات مستقبلية، مؤكدًا أن بلاده لن تقبل بأي اتفاق لا يشمل انسحابًا روسيًا كاملًا.
في المقابل، أبدى الاتحاد الأوروبي مخاوف من أن تؤدي إعادة تشكيل السياسة الأميركية تجاه روسيا، خاصة في حال عودة ترمب إلى الرئاسة، إلى تقديم تنازلات كبيرة لموسكو وإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في القارة الأوروبية.
إلى أين تتجه الأمور؟
يُنظر إلى اجتماع الرياض كخطوة أولى في مسار دبلوماسي طويل قد يؤدي إلى إنهاء الحرب، لكن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول مستقبل الأراضي الأوكرانية المحتلة والترتيبات الأمنية في أوروبا.
ويبقى السؤال المطروح، هل ستكون هذه المفاوضات مقدمة لاتفاق تاريخي ينهي أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، أم أنها مجرد محطة في لعبة الشد والجذب بين واشنطن وموسكو؟



