مقالات

إعلام بلا إعداد.. وواقع بلا إعلام !!

بقلم ✍️  د.خلود محمود

(مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)

تتوالى الأحداث كالزلازل على الساحة العربية بينما يقف الإعلام الذي من المفترض أن يكون مرآة الواقع وبوصلة الجمهور عاجزاً عن التفسير، مشوهاً في العرض، أو غائباً تماماً أو شاغلاً الرأي العام بأمور تضعف هويتها وتدمر ثقافته معللاً أياها بالترند .

أن وصفي “إعلام بلا إعداد.. وواقع بلا إعلام” ليس مجرد تشبيه بل هو تشخيص لواقع مرير فإعلامنا يعاني من فقر مهني مدقع، وواقع معقد يتشكل في فراغ إعلامي أو تحت وطأة تشويهه.

 

إعلام هو نفسه أزمة بدلا من أن يكون جزءا من حلول أزمات تقع في المجتمع وقع هو نفسه في منعطف أزمات يكمن الجذر الأول لها في حالة التكوين المهني فكليات الإعلام تخرج أفواجاً قد تفتقر إلى المهارات الأساسية للإعلام كالتحقق من المعلومات في عصر الفوضى الرقمية، تحليل البيانات المعقدة، الفهم العميق للسياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية، وأخلاقيات المهنة كحائط صدٍّ ضد التضليل والتوجيه ، والنتيجة؟ ..

صحفيون ومذيعون قد يمتلكون الميكروفون والكاميرا، لكنهم يفتقرون إلى أدوات فك شفرات الواقع المتشابك، فيتحول الخبر إلى نقل سطحى أو صدى لأجندات معينة ، وينعكس هذا الخلل المهني كارثياً على تصور الجمهور للواقع وإدراكه له فعندما يغيب الإعلام الجاد المحترف، يتحول الفضاء الإعلامي إما إلى صحراء معلوماتية حيث الأحداث الكبرى تمر دون رصد أو تحليل عميق، خاصة في المناطق المهمشة أو القضايا المعقدة التي تتطلب جهداً تفسيرياً وتحليلاً ، ناهيك عن تحول الاعلام لسوق للضجيج تغلب عليه الإثارة والترفيه الرخيص، والسجالات العقيمة، وخطابات الكراهية، ونشر الشائعات كبديل سهل عن التحقيق ..

وهنا يصبح الواقع في عين المواطن مشوهاً، مجزأً، أو مغيباً تماماً لصالح روايات بديلة تملأ الفراغ الإعلامي الذي يعيشه ، وأما ثالث ضلع للأزمه فهي السيطرة والتبعية وهي عامل مضاعف للأزمة، تتعمق فيه الأزمة مع هيمنة سلطات سياسية أو اقتصادية على معظم المنابر الإعلامية التقليدية.

وهنا يتحول الإعلام من ناقل للواقع إلى أداة لصناعة “واقع موازٍ” يخدم أجندات ضيقة يُستبدل الإعداد المهني بـ “الإعداد” على التطبيل والتوجيه، ويُختزل دور الإعلامي إلى مجرد موظف لتمرير الرسالة، لا باحث عن الحقيقة وهذا بدوره يوسع الفجوة بين الواقع الفعلي والصورة المعروضة.

 

أما عن التحدي الرقمي الذي يواجهه الإعلاميون فحدث ولا حرج وتعقيد المشكلة هنا واصلاً لبعد لا يمكن فهم المعادلة فيه دون إدراج عامل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي قدمت مساحة للتعبير وكسرت احتكار المعلومة، لكنها في نفس الوقت فاقمت أزمة “الإعداد”، فسرعة انتشار المعلومة (صحيحة كانت أم كاذبة) تفوق قدرة الجمهور وحتى كثير من الإعلاميين على التحقق منها ، وأصبح “الواقع” في عصر التدفق الرقمي مشهداً هجيناً يصعب فصله عن الضجيج والتضليل، خاصة مع غياب مرجعيات إعلامية موثوقة ومحترفة.”

ولنعبر من تلك النفق المظلم نحو إعلام مستعد وواقع مُضاء لابد من كسر هذه الحلقة المفرغة وذلك يتطلب تركيزاً علي جبهات مختلفة :

ـ أولها إصلاح جذري للتكوين: بمعني تطوير مناهج كليات الإعلام لتواكب التعقيد الرقمي، وتركز على التفكير النقدي، التحقيق، تحليل البيانات، الأخلاقيات، والفهم المتخصص للسياقات ، ذلك مع التدريب المستمر للإعلاميين الحاليين لانه ضرورة لا ترف ليواكب مستجدات العصر ويعرف طبيعة جمهوره.

ـ وثانيها دعم الاستقلالية من خلال خلق بيئة تشجع على الإعلام المستقل والمهني، عبر حماية قانونية حقيقية، وتمويل مستدام (كالاشتراكات أو التمويل الجماعي)، وتقبل مجتمعي لدوره الحيوي.

ـ وثالثها تعزيز التربية الإعلامية فتمكين الجمهور بمهارات تمييز المصادر الموثوقة ، وعملية التحقق من المعلومات، وفهم آليات صناعة الإعلام ضروره ليكون الجمهور شريكاً فاعلاً في مواجهة التضليل.

إن العلاقة بين إعلام مهني مستعد وواقع مفهوم هي أساس أي مجتمع واعٍ وقادر على التقدم وهنا بعنواني “إعلام بلا إعداد” أنا لا أقصد مجرد تقصير أكاديمي، بل تفريط في أحد أهم أدوات فهم العالم وصناعة المستقبل في الوقت الحالي أما “واقع بلا إعلام” فهو حقيقي يترك المجتمعات تتأرجح في عتمة الجهل أو وهج التضليل وإنقاذ هذه الحالة ليس خياراً، بل هو مسؤولية مشتركة على عاتق المؤسسات التعليمية، والإعلاميين أنفسهم، السلطات المنظمة، والمجتمع المدني، قبل أن يصبح الواقع الذي نعيشه مجرد ظل مشوه لذواتنا.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com