تقارير-و-تحقيقات

مرصد الأزهر يفتح ملف شرق إفريقيا: هدوء أمني غير مسبوق

كتب :مصطفى علي

في سابقة لافتة، كشف مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عن تحول نوعي في المشهد الأمني بشرق إفريقيا خلال شهر نوفمبر 2025، وذلك ضمن مؤشّره الشهري لرصد النشاط الإرهابي في القارة الإفريقية.
البيانات التي رصدها المرصد لا تتحدث عن تراجع جزئي أو انخفاض نسبي، بل عن انعدام تام للعمليات الإرهابية في دول الإقليم، بما في ذلك بؤر تقليدية لطالما ارتبط اسمها بالنشاط المسلح، مثل الصومال وكينيا.

هذا الغياب الكامل للهجمات، الذي يُسجَّل لأول مرة منذ سنوات، يفتح الباب أمام تساؤلات أمنية واستراتيجية عميقة: هل نحن أمام نجاح حقيقي لجهود المكافحة؟ أم أمام هدوء مؤقت يخفي وراءه إعادة تنظيم وتموضع للجماعات المتطرفة؟

أرقام نوفمبر 2025: صفر عمليات إرهابية في مشهد غير معتاد

وفق إحصاءات مرصد الأزهر، لم تشهد دول شرق إفريقيا خلال نوفمبر 2025 أي عملية إرهابية، في تحول حاد عن شهر أكتوبر الذي سبقه مباشرة، حيث:

تم تسجيل 9 عمليات إرهابية،

أسفرت عن 59 قتيلًا،

و6 مصابين.

وبذلك، فإن التراجع في النشاط الإرهابي خلال شهر واحد فقط بلغ نسبة 100%، وهو مؤشر استثنائي في منطقة اعتادت على دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.

لكن المرصد يشدد على أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تكون سطحية أو احتفالية، محذرًا من اعتبار هذا الغياب دليلًا قاطعًا على تحسن استراتيجي طويل الأمد.

هدوء ميداني أم تحسُّن تكتيكي مؤقت؟

في تحليله للمشهد، يرى مرصد الأزهر أن الانخفاض الحاد في العمليات الإرهابية قد يعكس تحسنًا تكتيكيًا ناتجًا عن الضربات الأمنية الأخيرة، وليس بالضرورة تحسنًا جذريًا في البيئة الأمنية.
ويشير التحليل إلى أن الجماعات المتطرفة غالبًا ما تلجأ، عقب الضربات القاسية، إلى:

إعادة التموضع،

إعادة هيكلة الخلايا،

تقليل الظهور العلني مؤقتًا،

التحضير لجولات لاحقة بأساليب مختلفة.

وبالتالي، فإن غياب العمليات لا يعني انتهاء التهديد، بل قد يكون مؤشرًا على مرحلة انتقالية حساسة تتطلب أعلى درجات اليقظة.

العمليات العسكرية الاستباقية: نشاط مكثف خلف الكواليس

على عكس الهدوء الظاهر في الميدان، شهد شهر نوفمبر تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة العمليات العسكرية والاستخباراتية، لا سيما في الصومال، حيث نفّذ الجيش الصومالي، بالتعاون مع شركائه الدوليين، 8 عمليات عسكرية ناجحة.

وأسفرت هذه العمليات عن:

تحييد 40 عنصرًا إرهابيًا،

اعتقال 21 عنصرًا من عناصر التنظيمات المتطرفة.

ويؤكد المرصد أن هذا النشاط العسكري المكثف يفسر، إلى حد كبير، غياب الهجمات الإرهابية خلال الشهر ذاته.

مقارنة مع أكتوبر: تغير في طبيعة المواجهة

عند مقارنة بيانات نوفمبر بشهر أكتوبر، تتضح ملامح تحول نوعي في أسلوب المواجهة الأمنية:

انخفض عدد العمليات العسكرية قليلًا (من 9 في أكتوبر إلى 8 في نوفمبر)،

لكن عدد الاعتقالات ارتفع بوضوح (من 16 إلى 21 معتقلًا)،

في المقابل، تراجع عدد القتلى من العناصر الإرهابية (من 68 في أكتوبر إلى 40 في نوفمبر).

ويفسر المرصد هذا التحول بأنه انتقال من المواجهات الواسعة إلى عمليات دقيقة وموجهة، تعتمد على معلومات استخباراتية أكثر عمقًا، وتستهدف:

القيادات الميدانية،

الخلايا الصغيرة،

شبكات الدعم اللوجستي.

تحسُّن استخباراتي لا يقل أهمية عن القوة العسكرية

ارتفاع نسبة الاعتقالات مقارنة بالتحييد الميداني يعكس، بحسب التحليل، تحسنًا نوعيًا في أداء الأجهزة الاستخباراتية، وقدرتها على:

اختراق شبكات التنظيمات،

تتبع تحركات العناصر،

تنفيذ عمليات ضبط دون خسائر جانبية واسعة.

ويرى خبراء أن هذا النهج يحدّ من قدرة التنظيمات على إعادة البناء السريع، ويُربك خطوط الاتصال والتمويل، لكنه في الوقت ذاته يتطلب استدامة طويلة الأمد.

توازن هش: هدوء الظاهر واستمرار المواجهة

يرسم المشهد الأمني في نوفمبر 2025 صورة معقدة من التوازن الهش؛ فمن جهة، هدوء ميداني كامل دون عمليات إرهابية، ومن جهة أخرى، نشاط عسكري واستخباراتي مكثف يؤكد أن المواجهة لم تتوقف، بل انتقلت إلى مستويات أقل ظهورًا وأكثر دقة.

ويؤكد مرصد الأزهر أن هذا الهدوء يجب ألا يُفسَّر كعلامة نهاية، بل كـ فرصة عملياتية نادرة لتعزيز الردع وسد الثغرات الأمنية قبل أن تعود الجماعات المتطرفة إلى الواجهة.

توصيات مرصد الأزهر: كيف يُستثمر هذا الهدوء؟

انطلاقًا من تحليله للمشهد، قدّم مرصد الأزهر لمكافحة التطرف حزمة من التوصيات الاستراتيجية، أبرزها:

أولًا: تعزيز التنسيق الاستخباراتي الإقليمي

إنشاء آلية دائمة لتبادل البيانات الفوري بين دول الإقليم،

التركيز على الصومال وكينيا كنقاط تماس رئيسية،

تتبع حركة العناصر الإرهابية ومسارات التسلل عبر الحدود الهشة.

ثانيًا: ملاحقة الخلايا النائمة

تكثيف التعقب التقني والعملياتي،

منع إعادة التنظيم بعد الضربات الأخيرة،

رصد النشاط الإلكتروني والدعائي للجماعات المتطرفة.

ثالثًا: مقاربة شاملة تتجاوز الحل الأمني

ويشدد المرصد على أن المواجهة العسكرية وحدها غير كافية، داعيًا إلى:

1. تحسين الخدمات الاجتماعية في المناطق الهشة.

2. دعم برامج المصالحة المحلية وبناء الثقة.

3. توسيع مبادرات نزع التطرف العنيف، لمنع استغلال الفقر والتهميش في عمليات التجنيد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى