
مع شروق شمس يوم الجمعة، بدأت أنفاس الحياة تعود تدريجياً إلى مدينة غزة التي أنهكها الدمار؛ كانت السماء صافية، وكأنها تتنفس لأول مرة منذ أشهر طويلة من القصف والدمار. آذان صلاة الجمعة ارتفع من بين الأنقاض، حيث تجمع مئات المصلين الفلسطينيين على أطلال المسجد العمري “الأثري”، الذي كان يوماً ما رمزاً للعبادة والتجمع الروحي. اليوم، تحول إلى كومة من الحجارة المتناثرة، لكنه ظل شامخاً في قلوب الناس.

كان هذا المشهد نادراً، بل ومثيراً للدهشة، في ظل الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، لأكثر من 15 شهراً، عاش الفلسطينيون تحت وطأة القصف المستمر، والدمار الشامل، وفقدان الأمان، لكن مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ صباح الأحد الماضي، شعر الناس بشيء من الأمان النسبي، فتوافدوا من مختلف أنحاء المدينة إلى هذا المكان المقدس.
كانت أصوات الأدعية وتلاوة القرآن تملأ الفضاء، محلّلةً مكان ضجيج الطائرات ودوي الانفجارات التي كانت تعصف بالمدينة ليل نهار، المصلون وقفوا بثبات، بعضهم على الحجارة المتناثرة، والبعض الآخر على الأرض الترابية، وكأنهم يعلنون للعالم أن الروح لا تُقهر، وأن الإيمان أقوى من كل دمار.

لم يكن هذا المشهد مقتصراً على المسجد العمري فحسب، بل تكرر في أنحاء مختلفة من قطاع غزة، مساجد أخرى، ومنازل مدمرة، تحولت إلى أماكن للصلاة، حيث وقف الفلسطينيون يصلون بقلوب مليئة بالأمل والتحدي، لقد حُرموا طوال هذه الأشهر من التجمع بأعداد كبيرة لأداء الصلوات، لكن اليوم، كانوا يعيدون بناء روحهم الجماعية.
بعد انتهاء الصلاة، تحول الجمع إلى موكب تشييع مهيب لجثماني عضو المكتب السياسي لحماس، روحي مشتهى، ورئيس جهاز الأمن العام للحركة، سامي عودة. شارك المئات في تشييع الجثمانين، الذين تم انتشالهما بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كانت لحظة مليئة بالحزن، ولكن أيضاً بالعزيمة، حيث بدا واضحاً أن الشعب الفلسطيني، رغم كل الخسائر، لم يفقد إرادته في المقاومة.
في 19 يناير 2025، بدأ سريان وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، بوساطة قطر ومصر والولايات المتحدة؛ الاتفاق ينص على وقف لإطلاق النار لمدة 42 يوماً في مرحلته الأولى، يتم خلالها التفاوض لبدء مراحل تالية، لكن الجميع يعلم أن هذا الاتفاق هو مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل الأمد.
خلال الـ15 شهراً الماضية، ارتكبت إسرائيل، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 158 ألف قتيل وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود، كانت هذه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، حيث تحولت غزة إلى مدينة أشباح، مليئة بالدمار والمعاناة.
لكن في هذا اليوم، وسط الأنقاض، كان هناك بصيص من الأمل؛ الفلسطينيون، الذين عاشوا تحت وطأة الموت والدمار، وقفوا يصلون ويدعون، وكأنهم يعلنون أن الحياة ستستمر، وأن الإيمان سيبقى أقوى من كل شيء. كانت صلاة الجمعة هذه رسالة إلى العالم: أن الروح الإنسانية لا تُقهر، وأن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما عاناه، لم يفقد إيمانه بحقه في الحياة والحرية.





تعليق واحد