بين المدح والحلوى واللمة.. «اليوم» يرصد احتفالات المولد النبوي عند المصريين

كتب- محمود عرفات
يظل المولد النبوي الشريف حدثا مهما يمس وجدان المصريين، حيث يمثل حالة روحانية بين تطور الحاضر، وعبق التاريخ الطويل، ولكن مع سرعة وتيرة الحياة وتطورات العصر اختلفت طرائق الاحتفال بالمولد النبوي من المظاهر التقليدية المتثملة في الحلوى والعروسة، إلى حفلات موسعة مفعمة بالذكر اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي ساحة جديدة لمشاركة الاحتفال.
من واقعية حلقات الذكر إلى “الفيسبوك”
قبل توغل مواقع التواصل الاجتماعي بين الناس على اختلاف ثقافاتهم كانت ساحات الذكر في المولد النبوي الشريف تضج بالحاضربن، ومنهم من كان يقطع الأشواط من محافظات مختلفة إلى مساجد آل البيت في القاهرة ليحضر جلسات الطرق الصوفية والإنشاد الديني الذي يستمر مع بداية شهر ربيع الأول، لكن مع ارتفاع العالم الرقمي اختلف الأمر كثيرا.
من جانبه قال الشيخ محمد عبد العاطي أحد مشايخ الطريقة الرفاعية إنه قبل وجود مواقع التواصل الاجتماعي كان الناس يأتون من كل حدب وصوب لحضور جلسات الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى مطلع الفجر، مشيرًا إلى أن الأمر الآن اختلف كثيرا، حيث يتم تصوير “بث مباشر” من جلسات الذكر ويراه جميع الناس من بيوتهم دونما حاجة إلى الحضور من أماكن بعيدة.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن الذكر يكون أفضل إذا ما حضره الإنسان بنفسه وعاش التجربة مع جمع من المحبين، لكن لا ضير إن ذكر الله من خلال البث المباشر، المهم أن الغاية تتحق، لافتا إلى أنها هذا التطور قد يكون مفيدا لكثرة الذاكرين والمحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بدل أن يشاهدوا أمورا غير لائقة.
بين النوستالجيا والتكنولوجيا.. آراء المواطنين من الشارع
قال محمد إبراهيم طالب في كلية إعلام: “بحب أجواء المولد اللي كنت بشوفها زمان مع جدتي، بس دلوقتي مبقاش في نفس الزحمة أو البهجة. بنحتفل بشكل رمزي أونلاين، زي صور دينية وأناشيد، لكن نفسي أعيش اللي كانوا بيحكوا عنه زمان.”
بينما يقال “محمد يوسف، طالب ثانوي الاحتفال التقليدي مبالغ فيه: “مش لازم كل سنة نشتري عروسة وسكر. ممكن نحتفل بإننا نقرأ سيرة النبي أو نحضر ندوة دينية. الاحتفال محتاج يواكب العصر.”
التجار.. ما بين الركود والحنين
قال إبراهيم حسن، تاجر حلوى: “كان المولد بيجيب دخل يكفينا شهور. دلوقتي الناس بتتفرج وتمشي. العروسة السكر بقت رفاهية، والبلاستيك أرخص وأسهل، بس والله الزبون زمان كان بيجي يشتري بـ100 جنيه ويمشي فرحان، دلوقتي بيسأل ويمشي.”
أم أحمد صاحبة محل صغير تضيف: “الناس بتشتري قطعة واحدة بالعافية. كيلو الحلاوة بقي أغلى من لحمة، بس لسه الأطفال بيفرحوا، وده اللي بيخليني مكملة.”
هل تغيرت أسطورة عروسة المولد؟
تمثل عروسة المولد النبوي مظهر أصيل من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولكن تحولت مؤخرا وصارت في مهب الريح، فلقد كانت قطعة من السكر مشكّلة على هيئة عروسة قابلة للأكل، ولكن سرعان ما تم تحويلها إلى قطعة بلاستيك، وهذا ما جعل الإقبال على شرائها ضئيلا.
الاحتفال بالمولد النبوي بين الحل والحرمة
لا يخلو ساحات مواقع التواصل الاجتماعي من الجدل كل عام بالتزامن مع المولد النبوي الشريف، بين من يرى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مباحا وليس فيه شيء، وبين من يقول أنها بدعة لا تجوز.
من جانبه قال دكتور هاني تمام أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز وليس فيه شيء شريطة أن يخلو من المحرمات والمخالفات، مؤكدًا إن العبرة ليست بالشكل وإنما بالضمون الذي يعرّف الناس بقدر النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، ونرسخ في أذهانهم أنه القدوة والمثل الأعلى في حياة المسلم.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن وصف الناس بالمبتدعة عبث وضرب من ضروب الخلل حول معرفة الناس بالحلال والحرام، لافتا إلى أن الاحتفال يكون حراما إذا أورد مخالفة، غير ذلك يدخل ضمن القاعدة الفقهية “الأصل في الأشياء الإباحة”، مؤكدا أنه ليس كل فعل تركه النبي صلى الله عليه وصحابته الكرام صار بدعة ضلالة على من فعلها بعدهم، وإلا كان جمع القرآن بعده صلى الله عليه وسلم كان إثما مبينا.
المولد النبوي.. مناسبة للّمة والفرحة
لم يتوقف الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عند الذكر كونه مناسبة دينية فقط، بل له أيضا علاقة بالفرحة والتواصل الاجتماعي وانتظار الوقت لاجتماع الأسر لشراء الحلوى والتجمع في المنازل لأكلها.
من جانبه قال آية عبد الفتاح أخصائية اجتماعية إن المولد النبوي له بعد اجتماعي ذا تأثير كبير، مشيرة إلى أنه يعيد اجتماع العائلة ودف البيوت وتقوية الترابط الأسرى.
وأشارت في تصريح خاص لجريدة “اليوم” إلى أن سرعة الحياة جعلت الناس في بعد عن بعضهم، والمولد النبوي فرصة للمة العائلة وزيارة الأقارب، وتبادل الهدايا حتى لو رمزية، مثل علب الحلوى أو عروسة المولد، ما يعزز من الترابط الاجتماعي.
وتابعت:”حتى المدارس والجمعيات في بعض المناطق بتنظم أنشطة، زي مسابقات دينية، عروض فنية، أو توزيع حلوى على الأطفال، وده بيعزز الجانب الاجتماعي والتربوي للاحتفال. فالمولد مش بس ذكرى، ده مساحة للفرح الجماعي”.
يظل المولد النبوي الشريف حدثا لا تسقط أهميته من وجدان المصريين وإن اختلفت طرائق الاحتفال به، ويبقى ذكرى خالدة وإن تباينت آراء الناس حوله، بين من يفضل الحداثة، ومن يتشبت بالعادات والتقاليد الخالدة.
