مقالات

عماد نصير يكتب: الأرض مقابل المال.. الإمبريالية الأمريكية 

تعد الولايات المتحدة عاشقة التسوق الجغرافي عبر التاريخ الحديث، وصاحبة النسبة الأكبر عالميا في الاستحواذ على الأوطان واستعمار البلدان، وهنا لن نشير إلى قضائها على صاحب الأرض الأصلي من الهنود الحمر، فهذا أمر بات واقعا معلوما

يسرد لنا التاريخ المعاصر فصولا من صور (وضع اليد) الأمريكية على أوطان كانت مملوكة لمواطنين غير أمريكيين، إلا أنها باتت كذلك بعد أن قام أبناء العم سام بضمها لخريطتهم، لتتسع بذلك مساحة أرضهم وتتغير أبعادها وحدودها لتصبح على ما باتت عليه الآن.

فالولايات المتحدة التي تصف للعالم مكونات وصفة الديموقراطية لم تكن كذلك أبدا إذا ما تعلق الأمر بمصالحها وخططها التوسعية الإمبريالية، فهي أكبر مشتر للأراضي في التاريخ الحديث دون منازع، حتى أضحت مساحتها حاليا أقل من عشرة ملايين كيلو متر مربع بقليل، أي أنها تضاعفت مساحتها بنسبة تناهز الضعف بعد أن اكتشغها كولومبوس، أو بالأحرى فلنقل بعد أن عرف الطريق الذي سبقه إليها غيره.

بداية من العام 1803 اشترت قرابة خمسة ملايين وخمسمائة ألف كيلو متر مربع نقدا وبالتقسيط وسداد الديون.

حين وقع الرئيس توماس جيفرسون صفقة شراء لويزيانا من فرنسا، مقابل خمسة عشر مليون دولار فقط، لتنتقل إلى واشنطن مساحة تقارب مليونين ومئة ألف كيلو متر مربع، ما ضاعف مساحة البلاد حينها في ليلة واحدة فقط، وهي خطوة كانت جريئة حينها.

ولم تتأخر كثيرا عن خطوتها التالية، حيث أنها بعد ستة عشر عاما قامت بصفقتها الثانية والتي استحوذت فيها على فلوريدا، والتي اشترتها من إسبانيا بخمسة ملايين دولار فقط وليس نقدا بل بسندات بنكية تعهدت بها كتعوضات لمواطنين أمريكيين لهم ديون على الحكومة الإسبانية.

وفي العام 1848م، ضمت الولايات المتحدة أيضا ما تخطى حاجز المليون وثلاثمائة ألف كيلو متر مربع من أراضي المكسيك، وهي ما يسمى حاليا بكاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأريزونا ونيومكسيكو، مقابل خمسة عشر مليون دولار وتسوية ديون على المكسيك لصالح مواطنين أمريكيين أيضا، أي أنها لم تدفع من خزينتها الكثير.

ثم جاء عام 1867م والذي استحوذت فيه على ألاسكا من روسيا، مقابل مبلغ مالي لا يزيد عن سبعة ملايين ومائتي ألف دولار، مقابل مساحة تبلغ نحو مليون وخمسمائة ألف كيلو متر مربع، إلا أنها كانت الصفقة الأثمن برغم السعر الزهيد، حيث تم اكتشاف غناها بالثروات الطبيعية الضخمة كالذهب والنفط والغاز، لتتحول بين عشية وضحاها إلى كنز استراتيجي واقتصادي وعسكري، وباتت أحد أهم روافد الاقتصاد الأمريكي وأكثر مغذي لخزينتها.

لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بذلك أيضا، ففي العام 1917م اكتملت قبضة واشنطن على الجزر الدنماركية سان توماس وسان جون وغيرهما، مقابل خمس وعشرين مليون دولار ذهبا لتصبح على ما هي عليه اليوم والتي باتت تعرف باسم جزر العذراء الأمريكية، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد.

قد يبدو الأمر عرضا وطلبا، وأن الولايات المتحدة قدمت عرضا ماليا مغريا لبائع بدا رابحا أيضا، إلا أن الواقع لا يعزز تلك الفرضية خاصة من منظور الواقع الحالي والنظرة الأمريكية المتعالية والمتطلعة نحو خيرات غيرها وثرواته.

من الواضح أن ترامب الذي صرح في غير مرة بأنه يحب الخرائط لن يكون كأسلافه من التجار الذين تولوا مقاليد الحكم في البيت الأبيض، فهو لا يساوم البائع كثيرا، وهو يريد ضم الجزر الدنماركية للرقعة الأمريكية، ويريد أن يجدد الخرائط في الأطلس العالمي، ربما يعرض سعرا مغريا وربما يستعرض قوة مفرطة إن قالت الدنمارك ان جرينلاند ليست للبيع، فالأوطان لا تقيم بسعر السوق الحالي، ويبقى الفيصل هنا هو موقف أوروبا الداعم للدنمارك ومدى إصرار التاجر على الشراء عنوة، حتى وإن أصر صاحب العين على رفضه للبيع والتخلي عن أوصال وطنه.

يستوقفنا هنا النظرة الاستعمارية التي يرى من خلالها ترامب أن لكل شيء ثمن، وأن أي شيء خاضع لأوامر السوق، لا يهم رغبة البائع ما دام المشتري يملك السعر، لا يكترث لرأي صاحب الأرض طالما أن سلعته تخطف الأنظار وتخدم المصالح الأمريكية، لا يهم أبدا مغالطة ترانيم الديموقراطية التي أطرب بها البوق الأمريكي مسامع العالم، بل إن شئت قل أن الديموقراطية الأمريكية المزعومة تفصل على مقاس مصالحها وتطلعات حكامها واحدا تلو الآخر، ولا حاجة أبدا لرضى غيرهم أو سخطه.

التطلع الأمريكي للجزر الدنماركية وفي المقابل نظرة العالم لها أمر لا يهم إطلاقا إن تعارض مع الرؤية التوسعية التي استدعاها ترامب من العصور الوسطى، فما يعني الرجل هو تلبية رغباته والموافقة عليها والتوقيع سريعا أسفل الورقة عند خانة البائع حتى دون تراضي الطرفين أو شهادة الشهود، الأمر الذي ينسف كل ما تشدقت به الآلة الإعلامية الأمريكية عن الحرية والديموقراطية واحترام سيادة الأمم.

بل إن الأمر يستدعي من الذاكرة القريبة والبعيدة خلفيات وأسباب حروب قامت بها خارج أراضيها لترسيخ قيم الحرية والعدالة ومحاربة الدكتاتوريات في دول العالم الثالث كما زعمت، بل وينسف كل الحجج التي ألقت بها على مسامع العالم كبسط الأمن ومحاربة الأنظمة القمعية التي تسعى لقهر الشعوب، فالحرية عندها باتت حرية انتزاع الأرض من أصحابها وليست حرية العيش الكريم واحترام سيادة وسلامة أي دولة، وأنه من الطبيعي أن تزيد نجوم رايتها نجوما إضافية ما دامت تملك القوة لتحقيق ذلك طوعا أو كرها.

العالم على موعد مع اختبار الرصانة الأمريكية والنظرة المتساوية لاحترام سيادة الأمم.

كما أنه اختبار لقيمة التحالفات الأممية كالناتو وغيرها، ومدى فاعليتها في صون الأوطان والحفاظ عليها من بطش من يملك القدرة على دهس وانتزاع تلك السيادة، بل ويؤسس لمبدأ القوة التي تحمي الأرض من مطامع وخطط الغير الاستعلائية والاستعمارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى