تقارير-و-تحقيقات

الأزهر يحسم الجدل: والدا النبي ﷺ ناجيان والإساءة مرفوضة

 

تقرير:مصطفى علي

في ظل الجدل المستمر بين الفينة والأخرى على منصات التواصل وبعض المنابر الإعلامية، أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بيانًا علميًا مفصّلًا يؤكد أن نجاة والدي سيدنا النبي محمد ﷺ من النار هي قول جمهور المحققين من علماء الأمة سلفًا وخلفًا، وأن أي محاولة لإثارة التشكيك أو الإساءة إليهما تعد خروجًا عن الأدب الشرعي والأخلاقي.

وأكد البيان أن هذا الرأي ليس حديثًا على الساحة، بل هو نتيجة بحث وتمحيص طويل عبر القرون، اعتمد على مصادر التفسير والحديث والعقيدة، ورسخه جمهور علماء الأزهر بمختلف المذاهب الإسلامية المتبعة.

«أهل الفترة»… قاعدة شرعية متفق عليها

أوضح الأزهر أن الحجة الأولى لإثبات نجاة والدي النبي ﷺ تقوم على مبدأ «أهل الفترة»، أي من توفي قبل بعثة النبي ﷺ ولم تبلغه الدعوة، فلا يُؤاخذ بما لم يُعرض عليه.

ويستند العلماء في ذلك إلى قوله تعالى:
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]،

مشيرين إلى أن العذاب مرتبط ببلوغ الرسالة، وأن من مات قبل البعثة النبوية يُعد ناجيًا، بما ينسجم مع عدل الله تعالى.

وأشار البيان إلى أن والدي النبي ﷺ كانا على الحنيفية السمحة، دين إبراهيم عليه السلام، وأن هذه القاعدة تشكل دعمًا إضافيًا لموقف العلماء.

واستدلوا بقول الله تعالى:
{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219]،

كما ذكروا حديث النبي ﷺ:
«لم يزلِ الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة، مُصفّى مُهذّبًا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»،

وهو حديث أورد السيوطي وغيره في سياق بيان طهارة نسب النبي ﷺ وحفظه من الشرك.

أحاديث «الإحياء» التحقق من الروايات وفضائل الأعمال

أشار الأزهر إلى ما ورد في بعض الروايات عن إحياء الله والدي النبي ﷺ له حتى آمنا به، موضحًا أن أسانيد هذه الروايات قد تخلو من الكمال، لكنها تتقوى بمجموع طرقها، وتُدرج في باب فضائل الأعمال، حيث تتسامح الشريعة مع ضعف أسانيدها ما لم يكن شديدًا، خاصة إذا توافق المعنى مع الأصول العامة.

وفرد الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي ست رسائل مستقلة في إثبات نجاة والدي النبي ﷺ، جامعًا فيها الأدلة والروايات، لتأكيد هذا الرأي وتوضيح محله العلمي.

الآية القرآنية وإرضاء النبي ﷺ… دليل إضافي

ورد في البيان أيضًا تفسير قوله تعالى:
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]،

ونقل الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رضا النبي ﷺ يستلزم ألا يدخل أحد من أهل بيته النار، مؤكدين أن هذا المعنى يتسق مع تكريم الله لنبيه ﷺ وإكرام أقرب الناس إليه.

تناول الأزهر أيضًا الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك: «إن أبي وأباك في النار»، مشيرًا إلى أن هذه الرواية محل بحث حديثي دقيق.

وأوضح أن حماد بن سلمة انفرد بذكرها، في حين خالفه معمر بن راشد، فرواه بلفظ: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار»، معتبرين رواية معمر أضبط وأكثر صحة كما أشاروا إلى أن البخاري ومسلم لم يخرجا لحماد إلا عبر روايات معينة، ما يعكس احتياطًا منهجيًا في التعامل مع مروياته.

دلالات لفظ «الأب»… قراءة لغوية وعرفية

أوضح العلماء أن لفظ «الأب» قد يشمل العم أو الجد، كما في قوله تعالى:
{نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} [البقرة: 133]،

مشيرين إلى أن هذه الإمكانية اللغوية تجعل بعض الروايات قابلة للفهم بطرق متعددة، دون المساس بمقام الوالدين الشريفين.

المواساة والنسخ… سياقات فهم الحديث

ذهب فريق من العلماء إلى أن الحديث ربما قيل في سياق المواساة لشخص حزن على مصير أبيه، أو أنه منسوخ بما ورد في أحاديث الإحياء، ما يمنع اعتباره دليلاً ضد رأي جمهور المحققين.

التحذير من الإساءة… الأدب مع مقام النبوة

ختم بيان الأزهر بالتأكيد على خطورة تحويل هذه المسألة إلى مادة للاستفزاز أو التشغيب، مستشهدًا بقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57].

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى