الأزهر يختتم شرح علل الترمذي في احتفالية علمية كبرى بالجامع الشريف

تقرير: مصطفى على
في مشهد علمي مهيب يعكس عمق الرسالة العلمية التي يتبناها الأزهر الشريف، تحتفي الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، اليوم الأربعاء، بختام سلسلة دروس شرح كتاب “علل الترمذي” للإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، وذلك في رحاب الجامع الأزهر، وتحديدًا في الظلة العثمانية، في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحًا.
الاحتفالية، التي يُتوقّع أن تشهد حضورًا رفيع المستوى من علماء الأزهر وطلابه، تأتي تتويجًا لمسيرة علمية استمرت لعامين متواصلين، قدم خلالها شرح هذا السفر الجليل في 68 محاضرة علمية حظيت بمتابعة كثيفة من طلاب العلم ودارسي علوم الحديث الشريف.
«علل الترمذي».. علم دقيق في رحاب الأزهر
تُعد دراسة “علل الترمذي” إحدى أعقد المسالك العلمية في ميدان علوم الحديث، لما يحويه هذا العلم من دقائق نظر، وتباينات بين أقوال الأئمة، وتفاصيل تتعلق بالسند والمتن، ما يجعله علمًا لا يتقنه إلا الخاصة من العلماء وقد اختار الأزهر الشريف أن يُولي هذا الكتاب عناية خاصة ضمن جهوده الرامية لنشر العلوم الشرعية وترسيخها في وعي الأجيال الجديدة، من خلال الجمع بين التحقيق العلمي الرصين والشرح المبسط الذي يراعي تباين مستويات المتلقين.
وقد تولى شرح هذا الكتاب الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، أستاذ الحديث وعلومه، وعضو هيئة كبار العلماء، المعروف بجهوده العلمية في خدمة الحديث الشريف، حيث قاد هذه الرحلة العلمية بكل اقتدار، معتمدًا على منهج تحقيقي دقيق ومراعاةٍ لمقامات السامعين.
الحضور العلمي والتربوي.. ركن أصيل في استراتيجية الأزهر
من اللافت في هذه السلسلة أن الجامع الأزهر لم يكن مجرد فضاء للشرح، بل منصة جامعة للعلماء وطلابهم، وميدانًا حيًا لتبادل المعارف الحديثية بين أجيال مختلفة من المهتمين بالسنة النبوية وعلومها فقد شهدت المحاضرات حضورًا طلابيًا كثيفًا من مختلف الأعمار والمستويات، الأمر الذي يعكس اتساع رقعة الوعي بضرورة التعمق في علوم العلل، لا سيما في ظل موجات التشكيك التي تواجه السنة النبوية في عصرنا الراهن.
كما مثّل هذا البرنامج العلمي نموذجًا للممارسة المنهجية في التعامل مع النصوص الحديثية، بعيدًا عن الاجتزاء أو التسرع في إصدار الأحكام، وهو ما أكسبه ثقة المؤسسات العلمية وطلاب الحديث على حد سواء.
«علل الترمذي» بين الإمام الترمذي وابن رجب.. بناء علمي متكامل
كتاب “علل الترمذي” الذي شكّل محور هذه السلسلة، ليس كتابًا تقليديًا في فقه الحديث، بل يُعدّ من أعمدة علم العلل الحديثية. وقد ورد أصله في نهاية “الجامع” (سنن الترمذي) تحت عنوان “العلل الصغير”، حيث جمع فيه الإمام الترمذي أقوال الأئمة الكبار، وعلى رأسهم الإمام أحمد والبخاري، في تقييم الأحاديث التي شابها اختلاف أو اضطراب في الإسناد أو المتن.
ثم جاء ابن رجب الحنبلي، العالم الموسوعي، ليتناول هذا الكتاب بالشرح والتحقيق، فاستخرج ما فيه من الكنوز العلمية، وأضاف عليه شروحًا دقيقة، وأمثلة نادرة، ونقدات منهجية أظهرت براعته في التعامل مع دقائق العلل وقد أبرز ابن رجب من خلال هذا العمل فهمه العميق لمناهج الأئمة النقاد، وامتلاكه للأدوات التي تمكنه من استجلاء المعاني الدقيقة بين السطور، ما جعل شرحه مرجعًا لا غنى عنه لكل دارس لعلم الحديث وناقد لنصوصه.
الإجازات العلمية.. تتويج للحضور والاستيعاب
ضمن تقاليد الأزهر العلمية، وتقديرًا للجهود المبذولة من قِبل الحضور، من المقرر أن تُمنح الإجازات العلمية للمواظبين على حضور هذه السلسلة، وهي إجازات تحمل طابعًا رمزيًا وعلميًا في آنٍ، حيث تعكس اعتراف الأزهر بجهد المتعلّم، وتشجعه على مواصلة التعمق في هذا الفن الشريف.
وتُعتبر هذه الإجازة وثيقة تقدير علمي، تتوارثها الأجيال، ويحرص طلاب العلم على الحصول عليها، لِما لها من قيمة في السند العلمي المتصل إلى المصنفين الأوائل، وهو ما يرسّخ فكرة «حمل العلم» وفق المنهج الأصيل المتّصل بالسلف الصالح.
الأزهر الشريف.. قلعة الحفاظ على علوم السنة
الاحتفال بختام شرح كتاب “علل الترمذي” ليس حدثًا عابرًا، بل هو حلقة من سلسلة متكاملة من البرامج والمبادرات العلمية التي يضطلع بها الأزهر الشريف، سعيًا منه للحفاظ على العلوم الشرعية، وعلى رأسها علوم الحديث الشريف، وذلك في ظل ما يشهده الواقع المعاصر من تحديات فكرية، ومحاولات لزعزعة الثقة بمصادر التشريع الإسلامي.
ومن خلال هذه المبادرات، يؤكد الأزهر على مرجعيته التاريخية والعلمية في ميدان الحديث النبوي، ويعيد التأكيد على أهمية العودة إلى المصادر الأصلية، وفهمها بفكر علمي نقدي منضبط، يراعي السياق، ويتسلّح بالمنهج.
دعوة مفتوحة لاستمرار العطاء العلمي
ختام هذه السلسلة العلمية لا يعني نهاية المسيرة، بل هو دعوة مفتوحة لاستمرار هذا اللون من النشاط العلمي الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، والذي يربط الماضي بالحاضر من خلال سلسلة ذهبية من العلماء والمحدثين، الذين حملوا مشاعل النور في دروب الرواية والدراية.
ويأمل منظمو هذه الاحتفالية أن تكون هذه التجربة حافزًا لتكرار مثل هذه السلاسل مع كتب أخرى من كتب الحديث وعلومه، في إطار رؤية الأزهر لتجديد الخطاب الديني، على أسس علمية راسخة، تراعي الثوابت وتستوعب المتغيرات.
