الأزهر يدعو لحماية الفصحى في عصر الذكاء الاصطناعي

كتب:مصطفى علي
في مشهدٍ ثقافي وعلمي يعكسُ حرص الأزهر الشريف على حماية هوية الأمة، عقد مجمع البحوث الإسلامية ظهر اليوم الندوة الشهرية لمجلة الأزهر الشريف تحت عنوان: «اللغة العربية مسؤولية أمة وأمانة جيل»، تزامنًا مع اقتراب اليوم العالمي للغة العربية، وذلك برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف كل من فضيلة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، وفضيلة الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية.
الندوة التي استضافتها كلية اللغة العربية بالزقازيق ونظمتها الأمانة العامة المساعدة للثقافة الإسلامية بالمجمع، شهدت حضور نخبة من علماء اللغة والأدب والفكر في الأزهر، في مقدمتهم: الدكتور حسن خليل، الأمين العام المساعد للثقافة الإسلامية، ممثلًا عن الأمين العام للمجمع، والأستاذ الدكتور علي عبد اللطيف، عميد الكلية، والأستاذ الدكتور محمد عبد الحميد، العميد الأسبق للكلية، والدكتور ناجي فؤاد بدوي، أستاذ الأدب والنقد، والدكتور علي مطاوع، رئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القرين، والدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة الأزهر.
اللغة العربية.. هوية أمة وجسر بين الأجيال
استهل الدكتور حسن خليل كلمته بتأكيد أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي عنوان كرامة الأمة ومصدر فخرها، مشيرًا إلى أن اللغة العربية تتميّز عن سائر اللغات بأنها لسان الوحي الإلهي، فقد نزل بها القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍّ مبين، فازدادت شرفًا وخلودًا.
وأضاف أن الأزهر، على مدار أكثر من ألف عام، حمل رسالة الدفاع عن العربية وتعليمها للعالمين، مبينًا أن مجلة الأزهر، منذ صدور عددها الأول عام 1930م، كانت وما زالت درعًا علميًا لحماية اللغة من الضعف والاندثار، حيث تولى رئاستها كبار العلماء، وحملت في صفحاتها فكرًا لغويًا راقيًا يحافظ على هوية الأمة الثقافية.
وخاطب خليل الطلاب بقوله: «أنتم أحفاد الأزهر الذي تجاوز عمره الألف عام، فاحملوا رسالته كما حملها علماؤه، وكونوا أوفياء للغتكم، فهي هوية دينكم ووطنكم» ثم حذر من خطر مواقع التواصل الاجتماعي التي أضعفت جلال اللغة وأدخلت عليها ألفاظًا هجينة، داعيًا إلى العودة إلى الفصحى قولًا وكتابةً، فهي كما قال «لغة حياة لا تموت»
في كلمته، عبّر الأستاذ الدكتور علي عبد اللطيف، عميد كلية اللغة العربية بالزقازيق، عن اعتزازه باستضافة الندوة في رحاب الكلية، مؤكدًا أن العربية ليست لغة فحسب، بل هي وعاء الفكر ومصدر الإلهام ومفتاح الحضارة الإسلامية، مشيرًا إلى أن الله اختارها وعاءً لكلامه، وهذا شرف لا تضاهيه مكانة.
من جانبه، شدد الدكتور محمد عبد الحميد على أن تعلم اللغات الأجنبية لا ينبغي أن يكون على حساب العربية، محذرًا من أن فقدان العربية يعني فقدان جزء من الهوية، وقال: «اللغة العربية شرف لنا، وهي لغة القرآن وأهل الجنة، وهي واجب ديني ووطني يجب الدفاع عنه بكل السبل».
أما الدكتور ناجي فؤاد بدوي، فأوضح أن العربية تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ، وتُعدُّ أساسًا للهوية الثقافية للأمة، مشيرًا إلى أن كل من نطق بالعربية فهو عربي بالانتماء الثقافي والروحي، وإن لم يكن عربي الأصل.
وأكد أن هذه اللغة الثرية لم تتبوأ مكانتها العالمية إلا لأنها أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني ونقل التراث العلمي والمعرفي للأمم.
رقمنة التعليم بين تهديد اللغة وفرص التجديد
وفي محور تناول العلاقة بين اللغة العربية والتقنيات الحديثة، حذر الأستاذ الدكتور علي مطاوع من أن الرقمنة المفرطة تنال من سلطان اللغة العربية، مؤكدًا أن الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر، يسعى جاهدًا للحفاظ على حضور اللغة في العصر الرقمي، من خلال إنشاء مراكز لتعليمها في مختلف دول العالم، وإطلاق منصات ذكية تُدرِّس العربية بطرق عصرية تراعي التفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا.
وأضاف مطاوع أن العربية خُلقت لتسود، ولن تموت لأنها لغة القرآن الكريم، والقرآن باقٍ ما بقيت السماوات والأرض، داعيًا إلى نبذ الأنماط اللغوية الدخيلة التي غزت لغتنا بفعل التواصل الإلكتروني، وإحياء اللسان العربي في المؤسسات التعليمية والإعلامية.
وفي السياق ذاته، تناول الأستاذ الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة الأزهر، جانبًا علميًا مهمًا حين أوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا في ذاته، بل في كيفية توظيفه، مشيرًا إلى أن من يمتلك القدرة على تسخيره لخدمة لغته وثقافته سيكون صاحب الريادة في المستقبل.
وأكد ضرورة إدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي في التعليم الأزهري، وتدريب الطلاب على استخدامه لتطوير أدوات حفظ اللغة العربية، وتحليل نصوصها بدقة وموضوعية.


