تقارير-و-تحقيقات

بين الشريعة والقدر.. قصة موسى والخضر كما لم تسمعها من قبل

 

تقرير:مصطفى على

 

في سردية قرآنية بديعة تحبس الأنفاس وتفتح نوافذ التأمل، تعود قصة لقاء النبي موسى بالخضر لتتبوأ مكانتها بين أعظم قصص القرآن الكريم، ليس فقط لغرابة أحداثها، بل لما تحمله من دروس روحية وشرعية لا تزال تلقي بظلالها على حياة المسلمين حتى اليوم الدكتور يسري جبر، أحد علماء الأزهر الشريف، سلط الضوء على هذه القصة في تصريح تلفزيوني، موضحًا أنها من أعمق القصص التي تكشف الفارق بين “القضاء الشرعي” و”القضاء القدري”، وكيف يمكن للعبد أن يتعلم التسليم المطلق لحكمة الله، حتى فيما يبدو مخالفًا للظاهر أو غير مبرر في منطق الناس.

نبي أم ولي؟ جدل العلماء حول الخضر

واحدة من أبرز النقاط التي أثارها الدكتور يسري جبر هي مسألة مقام الخضر، هل هو نبي أم ولي؟ حيث أشار إلى أن هذه القضية كانت محل خلاف بين العلماء على مدار العصور.
ومع ذلك، فإن الرأي الراجح عند جمهور العلماء، كما أوضح جبر، هو أن الخضر كان نبيًا واستند في ذلك إلى قوله تعالى في نهاية القصة على لسان الخضر: “وما فعلته عن أمري”، أي أن أفعاله كانت بوحي من الله، لا بإلهام ذاتي كما قد يُظن عند الحديث عن الأولياء.

ورغم هذا الترجيح النبوي، أضاف جبر أنه حتى لو افترضنا أن الخضر كان وليًّا، فلا حرج شرعي في أن يتعلم النبي من وليّ، لأن المسألة لا تتعلق بمنزلة علمية بل بمستوى إدراك ومعايشة للقدر الإلهي، الذي تمثله شخصية الخضر وهنا كانت المفارقة التي شرحها بقوله: “الخضر يمثل القدر، بينما موسى يمثل الشريعة”.

الشريعة تأمر.. والقدر يجري

في تأملاته حول العلاقة بين الشريعة والقدر، أوضح الدكتور جبر أن الشريعة بمثابة الأمر الإلهي الظاهر، بينما القدر هو مجرى الأحداث الذي لا يخضع لمفاهيم الإنسان المحدودة.
وأكد أن الاثنين لا يتعارضان أبدًا، لكن قد يظهر للعيان البسيط أن بينهما تناقضًا، إذا ما نُظر إليهما من زاوية واحدة فقط.

وأضاف:
“الشرع يأمر، لكن القدر يجري. الشريعة تدعو لحفظ النفس، أما القدر فقد يقتضي خلاف ذلك لحكمة لا تدركها العقول والأصل في الأمور أن تُفهم من خلال الجمع بين زاوية الشرع وزاوية القدر، لا من أحدهما فقط.”

 

دروس من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار

ولعل أبرز مشاهد القصة، والتي لطالما أثارت تساؤلات القرّاء والمفسرين، هي المواقف الثلاثة التي قام بها الخضر: خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار هذه الأفعال الثلاثة كانت كفيلة بأن تثير غضب واستغراب النبي موسى عليه السلام، لما بدا فيها من مخالفات صريحة لأوامر الشريعة، إلا أن الخضر، بوحي من الله، كشف لموسى الحكمة القدرية التي تقف وراء كل فعل.

فالسفينة التي خُرقت أنقذت من بطش ملك ظالم كان يغتصب كل سفينة صالحة والغلام الذي قُتل كان سيشكل فتنة لوالديه المؤمنين حينما يكبر أما الجدار الذي بُني في قرية أهلها لئام، فكان يخفي كنزًا لغلامين يتيمين أراد الله أن يحفظه لهما حتى يبلغا أشدهما.

وهنا تأتي خلاصة الدرس التي ركّز عليها الدكتور يسري جبر:
“ما فعله الخضر لم يكن من باب التشريع، وإنما من باب الكشف عن حكم القدر الخفي موسى كان يرى بعين الشريعة، أما الخضر فكان يرى بعين الحكمة القدرية ولهذا اعترض موسى في البداية، لكنه عندما سمع الحكمة من وراء الأفعال، سلّم لما لا تدركه العقول من ظاهر.”

 

الحكم الشرعي والحكم القدري: لا تعارض بل تكامل

من النقاط المحورية التي شرحها الدكتور جبر في تحليله للقصة، أن لله سبحانه وتعالى “حكمين”:

حكم شرعي نأخذ به ونُحاسب عليه.

وحكم قدري نسلم له ولا نملك رده.

وضرب مثالًا بالغ الدقة على ذلك، فقال:
“الله أمر المنافقين بالخروج مع النبي إلى غزوة تبوك، وهذا حكم شرعي لكنه قدّر أن لا يخرجوا، وهذا هو الحكم القدري في الظاهر قد يبدو أن هناك تعارضًا، لكن في الحقيقة لا يوجد تعارض هناك حكمة إلهية وراء الأمرين، تظهر عند من يفهم أبعاد الشريعة والقدر معًا.”

التسليم لله.. عندما تغيب الرؤية عن الحكمة

شدد الدكتور يسري جبر على أن قصة موسى والخضر ليست مجرد رواية عن لقاء نبي برجل صالح، بل هي مدرسة تربوية كاملة في فقه التسليم لله سبحانه وتعالى، خاصة في المواقف التي تعجز فيها العقول عن الفهم، وتبدو فيها الأمور وكأنها ضد العدالة أو الخير.

وقال بتأمل:
“في زمن يعاني فيه الناس من ضغوط الأسئلة، والحيرة بين ما يجب أن يفعلوه وما يقع عليهم من أقدار، تذكّر قصة موسى والخضر تعلمنا أن هناك دائمًا بُعدًا خفيًّا في الأحداث لا تدركه أعيننا، لكنه جزء من حكمة إلهية أعظم الشرع يرشدنا إلى ما يجب أن نفعل، والقدر يوجهنا إلى ما يختاره الله لنا وفي كليهما الخير إذا سلّمنا لأمر الله عن يقين.”

الخاتمة: بين موسى والخضر هناك نحن

قصة موسى والخضر ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي مرآة لحياة كل إنسان يسعى للعيش بين ما يأمره به الشرع، وما يختبره من قدر وبين فهم ظاهر الأمور والتسليم لبواطنها، يجد العبد طريقه إلى الرضا والثقة في الله. في زمن تضيع فيه البوصلة، تبقى هذه القصة نورًا يهدينا إلى أن في كل أمر حتى ما نظنه شرًّا حكمة لا يدركها إلا من وقف بين موسى والخضر، وسلّم بقلب مطمئن لأمر الله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى