الأزهر يفتح باب الفقه إلى الفضاء بالتعاون مع وكالة الفضاء المصرية

كتب:مصطفى على
في خطوة نوعية تُجسد التقاء الدين بالعلم، وتأكيدًا على قدرة الفقه الإسلامي على التعامل مع متغيرات العصر، ينطلق اليوم الثلاثاء الملتقى العلمي الأول من نوعه، تحت عنوان: “النوازل الفقهية المستجدة لأحكام الفضاء”، والذي ينظمه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بالتعاون مع وكالة الفضاء المصرية.
الملتقى يأتي تتويجًا لجهود الأزهر الشريف في تعميق العلاقة بين الشريعة الإسلامية والعلوم الحديثة، ويُعقد بمشاركة نُخبة من القيادات الدينية والعلمية البارزة، على رأسهم:
فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف ورئيس مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وعلوم الفضاء
فضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، عضو المجلس الاستشاري الرئاسي ووزير الأوقاف
فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية
الأستاذ الدكتور شريف صدقي، الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء المصرية
فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية ونائب رئيس مركز الأزهر العالمي للفلك
فقه جديد لعصر جديد: فتاوى شرعية في المدار
يؤكد هذا الملتقى أهمية الفقه الإسلامي كمنظومة متكاملة قادرة على التعامل مع النوازل والمستجدات العلمية التي يفرضها التقدُّم التكنولوجي، وخاصة في مجال الفضاء، الذي لم يعد مجرّد خيال علمي أو حكرًا على أفلام هوليوود، بل بات واقعًا معيشًا بفضل بعثات الفضاء المستمرة ومشاريع استيطان الكواكب ورحلات الفضاء التجارية.
وبحسب المنظمين، فإنّ الملتقى يُعدّ محطة تاريخية في مسار الاجتهاد الفقهي المؤسسي، حيث تُطرح أسئلة من نوع جديد:
كيف يصلي المسلم على متن محطة فضاء دولية؟
ما هي مواقيت الصلاة والصيام في حالة انعدام الليل والنهار؟
كيف تُحسب الزكاة في الفضاء؟
هل تجب الطهارة عند انعدام الجاذبية والماء؟
ما حكم دفن الموتى في الفضاء؟
كيف تُعقد عقود الزواج أو الطلاق في بيئات غير أرضية؟
أسئلة كان يُنظر إليها سابقًا على أنها فرضيات بعيدة، لكنها اليوم تُطرح في سياق علمي وشرعي حقيقي يتطلب إجابة دقيقة.
شراكة علمية بين السماء والأرض: الأزهر ووكالة الفضاء المصرية
ويُعد هذا التعاون مع وكالة الفضاء المصرية امتدادًا طبيعيًا لرؤية الأزهر في بناء جسر دائم بين العلوم الدينية والعلوم الطبيعية، من أجل إنتاج فقه يواكب التحديات الواقعية للإنسان، ويستوعب ظواهر لم تكن مطروحة في السابق وتُسهم هذه الشراكة في إثراء الفهم الديني بما يُعزّز من حيوية الفقه الإسلامي، ويدفع باتجاه تطوير أدوات الاجتهاد وضبطها بمنهج علمي دقيق، لا يتعارض مع ثوابت الدين، ولا يُنكر ما أثبته العلم الحديث.
الأزهر يؤكد: الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.. حتى خارج الأرض
في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، أوضح المشاركون أنّ الشريعة الإسلامية تتميّز بالمرونة والشمول، وأنها قادرة على التعامل مع كل زمان ومكان، حتى لو تغيّرت معطيات البيئة من الأرض إلى الفضاء وأكدوا أن الفقه الإسلامي لم يكن يومًا جامدًا، بل نشأ وتطور في حضن التنوع البيئي والجغرافي والتاريخي، ما يجعله مؤهلاً للتفاعل مع أي مستجد، بشرط وجود العالم المؤهَّل والمؤسسة العلمية الراسخة.
وشدّد المشاركون على ضرورة إطلاق أبحاث فقهية متخصصة في علوم الفضاء، تُراعي طبيعة الواقع الفضائي، وتُدمج بين المعطى الشرعي والمُعطى العلمي، في إطار يُرسّخ الاجتهاد الجماعي المؤسسي، ويقطع الطريق على الفتاوى الفردية غير المنضبطة.
من المتوقع أن يصدر عن هذا الملتقى العلمي عدد من التوصيات التي تُمهِّد الطريق لتأسيس فقه فضائي إسلامي متكامل، يُراعي الخصوصيات التقنية والفيزيائية لحياة الإنسان في الفضاء كما يُنتظر أن تُشكل لجان علمية دائمة تضم فقهاء، وأطباء، ومهندسين، ورواد فضاء، للعمل على إعداد كُتيب إرشادي يحتوي على دليل شرعي متكامل للعبادات والمعاملات في الفضاء.
الأزهر والريادة الفقهية في عصر التكنولوجيا
يمثل هذا الملتقى استمرارًا لرؤية الأزهر الشريف باعتباره المؤسسة الدينية الأكبر والأعرق في العالم الإسلامي، والذي يسعى دائمًا إلى ربط التراث الشرعي بمستجدات الحياة، وتوسيع دوائر الفهم الديني بما يُعزّز من فاعلية الخطاب الإسلامي ومرجعيته العالمية.
ومن خلال هذه الخطوة غير المسبوقة، يفتح الأزهر بابًا جديدًا للاجتهاد، يُعيد من خلاله تعريف العلاقة بين الدين والعلم، ويُثبت مرة أخرى أن الإسلام ليس دين الماضي فقط، بل دين الحاضر والمستقبل، والأرض والفضاء.



