الأزهر يقود نقاشًا شرعيًّا حول القضايا الأسرية المعاصرة في الغرب

تقرير:مصطفى على
شهدت العاصمة البريطانية لندن حدثًا علميًا من الطراز الرفيع، حيث اختُتمت أعمال الندوة الفقهية الدولية تحت عنوان “النوازل الفقهية في الزواج والطلاق”، والتي نظمها مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالتعاون مع هيئة الإفتاء والشؤون الشرعية بالمركز الثقافي الإسلامي في لندن.
الندوة جمعت تحت مظلتها علماء ومفتين وممثلين عن هيئات دينية إسلامية من أكثر من عشر دول أوروبية وإفريقية، إلى جانب سفراء دول إسلامية ورؤساء مراكز إسلامية.
وتناولت الندوة قضايا فقهية شائكة ومعقدة تهم المسلمين في الغرب، وعلى رأسها: الزواج والطلاق الصوريان، الطلاق بلفظ الثلاث، وحكم الزواج بدون ولي، وذلك في سياق يتفاعل مع التحديات القانونية والاجتماعية للمسلمين في بلاد غير إسلامية.
البيان الختامي: الأسرة في الإسلام ميثاق مقدس لا يقبل العبث
افتتح البيان الختامي للندوة بتأكيد قاطع على قداسة رابطة الزواج في الإسلام، التي وصفها الله بـ”الميثاق الغليظ”، محذرًا من تحويل هذه الرابطة إلى وسيلة لتحقيق أغراض دنيوية أو مكاسب شخصية على حساب مبادئ الشريعة الإسلامية.
البيان شدد على ضرورة حماية الأسرة المسلمة في المجتمعات الغربية من كل ما يهدد استقرارها، مؤكدًا أن إقامة هذه الندوة جاء انطلاقًا من عناية الإسلام بالأسرة وحرصه على صيانتها.
قضايا نازلة على طاولة العلماء: عرض وتحليل وفتوى
ناقشت الندوة، من خلال بحوث علمية ومداولات لجان فقهية متخصصة، عددًا من النوازل المعاصرة التي باتت تؤرق الجاليات المسلمة في الغرب، ومنها:
الزواج والطلاق الصوريان
أوضح العلماء أن الزواج الصوري هو عقد يتم بهدف تحقيق مصالح مادية دون نية الارتباط الحقيقي، فيما يُقصد بالطلاق الصوري إصدار وثيقة طلاق رسمية لغايات مادية مع بقاء العلاقة الفعلية. وخلصت الندوة إلى تحريم هذين النوعين شرعًا لما ينطويان عليه من كذب وتزوير وتلاعب بمقاصد الشريعة.
الطلاق بلفظ الثلاث في مجلس واحد
أجمع جمهور الفقهاء على أن الطلاق الثلاث في مجلس واحد يُعد طلاقًا بائنًا، فيما ذهب فريق آخر إلى احتسابه طلقة واحدة فقط ودعت الندوة الجهات الشرعية إلى النظر في ملابسات كل حالة على حدة، واستحضار فقه الواقع عند إصدار الفتوى.
حكم الزواج بدون ولي
أكد المشاركون أن اشتراط الولي في الزواج هو شرط أساسي لصحة العقد، محذرين في الوقت نفسه أولياء الأمور من عضل البنات ومنعهن من الزواج حال توفر الزوج الكفء، لما لذلك من آثار اجتماعية ونفسية سلبية.
تحذير من فوضى الفتوى: التشديد والتساهل وجهان لخلل واحد
وجه البيان الختامي تحذيرًا واضحًا من التساهل أو التشدد في إصدار الفتاوى الخاصة بالأسرة، معتبرًا أن الفتوى في النوازل لا يمكن أن تصدر إلا عن علماء مؤهلين لهم رسوخ في العلم وفهم للواقع. كما نبه إلى خطورة تصدر غير المؤهلين للفتوى، لما قد يترتب عليه من تهديد مباشر لتماسك الأسرة واستقرار المجتمعات.
خصوصية السياق الأوروبي: تجديد للخطاب الإفتائي والدعوي
أكد المشاركون أن الفتوى في القضايا الأسرية في أوروبا تحتاج إلى تجديد في الخطاب الشرعي، يراعي الواقع الأوروبي المتغير، دون الخروج عن أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وأوصت الندوة بضرورة تطوير برامج التأهيل للمفتين والدعاة في الغرب، وتوفير مناهج علمية تؤهلهم للتعامل مع هذه القضايا بحكمة ومرونة.
توصيات شاملة: خريطة عمل مستقبلية لحماية الأسرة المسلمة
جاءت توصيات الندوة في ثماني نقاط رئيسية، شكلت خريطة عمل متكاملة لحماية الأسرة المسلمة ودعم التماسك المجتمعي في الغرب:
1. توعية المجتمع بأحكام الطلاق الشرعي
دعت الندوة الأئمة والدعاة إلى توعية المسلمين في المساجد بأهمية ضبط الطلاق، والالتزام بالطلاق السني، والابتعاد عن الغضب وردود الأفعال المتسرعة، تأسيًا بالهدي النبوي والتوجيهات القرآنية التي تدعو إلى الإحسان حتى في لحظات الفراق.
2. برامج لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج
أوصت الندوة بعقد برامج توعوية للشباب المسلمين، تهدف لتعريفهم بمكانة الزواج في الإسلام، وتعزيز القيم الأخلاقية والدينية المرتبطة ببناء الأسرة، بما يسهم في تكوين أسر مستقرة ومجتمعات متماسكة.
3. تطوير الخطاب الدعوي والأسري
شددت الندوة على ضرورة تجديد الخطاب الدعوي في أوروبا، ليكون أكثر تفاعلًا مع التحديات الواقعية التي تواجه الأسر المسلمة، مع مراعاة طبيعة المجتمعات الغربية وتعدد روافدها الثقافية والاجتماعية.
4. تأهيل المفتين والدعاة
طالبت الندوة بعقد دورات تدريبية مكثفة للمفتين والدعاة في أوروبا، من خلال مناهج أكاديمية تحت إشراف المؤسسات الإسلامية الكبرى، لتكوين نخبة من العلماء المؤهلين لإصدار الفتاوى الرشيدة في القضايا الأسرية والاجتماعية.
5. تعزيز التعاون بين المؤسسات الإفتائية
دعت الندوة إلى إنشاء شبكة تعاون وتكامل بين الهيئات الإسلامية في أوروبا والمؤسسات الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، وعلى رأسها الأزهر الشريف ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، لضمان توافر المرجعية العلمية والدينية في معالجة النوازل الفقهية.
6. لجنة علمية مشتركة لرصد النوازل الفقهية
أوصت الندوة بتشكيل لجنة علمية مشتركة تضم نخبة من الفقهاء والمفتين في الشرق والغرب، تُعنى برصد النوازل الفقهية وصياغة الأحكام الشرعية المناسبة لها، على أن تخضع لإشراف المؤسسات الدينية الكبرى.
7. مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية في الفتوى
أكد البيان على ضرورة اعتبار العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية مؤثرات أساسية في إصدار الفتوى، خصوصًا في قضايا الطلاق والأحوال الشخصية، إذ أن اختلاف الظروف قد يُحدث تغييرًا جذريًا في الحكم الفقهي المناسب.
8. مواجهة الفردانية بتعزيز القيم الإسلامية
شدد المشاركون على ضرورة مقاومة النزعات الفردانية التي تنتشر في المجتمعات الغربية، والتي تضع المصالح الشخصية فوق القيم الإسلامية، محذرين من تشويه صورة الإسلام والابتعاد عن مقاصده الإنسانية الرفيعة.
الأزهر.. حضور علمي وريادي في قلب أوروبا
أعرب المشاركون عن تقديرهم للدور الكبير الذي يلعبه الأزهر الشريف، مُمثلًا بمركز الفتوى الإلكترونية، في دعم المجتمعات المسلمة في الغرب، والتفاعل مع قضاياهم باحترافية ومرونة شرعية، مؤكدين على أهمية استمرار هذا الدور كجسر تواصل بين الشرق والغرب في قضايا الفقه والأسرة.
ختام بأدعية ودعوات للاستمرار
اختُتمت أعمال الندوة بالدعاء بأن يحفظ الله بيوت المسلمين ويجنبها الشقاق والفرقة، وسط دعوات صادقة بضرورة تكرار مثل هذه الندوات العلمية التي تسهم في صناعة فقه واقعي رشيد، يستجيب لحاجات العصر، ويحفظ كيان الأسرة، ويعزز الاستقرار في المجتمعات الإسلامية في الغرب.
