الأزهر يناقش تحديات الخطاب الدعوي في عالم متعدد الثقافات

كتب: مصطفى علي
في خطوة جديدة تعكس إصرار الأزهر الشريف على تجديد أدوات الخطاب الديني ومواكبة تحولات العصر، وبتوجيهات مباشرة من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، نظّمت أكاديمية الأزهر العالمية ندوة تثقيفية موسعة حملت عنوان: «تحديات اللغة والنسق المعرفي في العمل الدعوي»، وذلك بمقر الأكاديمية، في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى الارتقاء بالأداء الدعوي وصقل مهارات الأئمة والوعاظ القادمين من مختلف دول العالم.
الندوة لم تكن فعالية بروتوكولية عابرة، بل جاءت لتضع يدها على واحد من أكثر الملفات حساسية في العمل الدعوي المعاصر: كيف يخاطب الداعية عقل الإنسان المعاصر بلغته، وضمن منظومته المعرفية، دون أن يفقد ثوابت الخطاب الشرعي وروحه الوسطية؟
أكاديمية الأزهر العالمية.. مصنع إعداد الدعاة لعصر متغير
تُعد أكاديمية الأزهر العالمية واحدة من أهم الأذرع التعليمية والتأهيلية التي يعتمد عليها الأزهر الشريف في إعداد دعاة يمتلكون أدوات العلم الشرعي، إلى جانب الوعي بالتحولات الفكرية واللغوية والثقافية التي يشهدها العالم. ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة امتدادًا لسلسلة من البرامج التدريبية والتثقيفية التي تسعى الأكاديمية من خلالها إلى بناء داعية قادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
الندوة ركزت على محورين أساسيين: اللغة بوصفها أداة التواصل الأولى، والنسق المعرفي بوصفه الإطار الذي يتحرك داخله عقل المتلقي، وهو ما يعكس وعيًا مؤسسيًا متقدمًا بطبيعة التحديات التي تواجه الخطاب الدعوي خارج القوالب التقليدية.
كلمة الافتتاح.. رؤية أكاديمية ومسؤولية دعوية
استُهلت فعاليات الندوة بكلمة ترحيبية ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، عبّر خلالها عن سعادته البالغة باستضافة فضيلة الدكتور ياسر الليثي، عميد الدراسات الإسلامية بجامعة أمستردام المستقلة في هولندا، مشيرًا إلى أن وجود قامات علمية تعمل في بيئات غير تقليدية يضيف بعدًا عمليًا بالغ الأهمية للنقاشات الفكرية داخل الأكاديمية.
وأكد رئيس الأكاديمية أن الأزهر الشريف لا يكتفي بتخريج دعاة يمتلكون المعرفة الشرعية فحسب، بل يحرص على إعدادهم ليكونوا سفراء للوسطية الإسلامية، قادرين على مخاطبة المجتمعات المختلفة بلغتها العقلية والثقافية، لا بمجرد النصوص المجردة.
ضيف الندوة.. تجربة دعوية في قلب أوروبا
من جانبه، عبّر فضيلة الدكتور ياسر الليثي عن خالص شكره وتقديره للأزهر الشريف ولفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، مثمنًا الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر في نشر قيم الاعتدال والتسامح، ومواجهة الفكر المتطرف بخطاب علمي رصين.
وأكد الليثي أن أكاديمية الأزهر العالمية تمثل نموذجًا فريدًا في تأهيل الدعاة، خاصة أولئك الذين يعملون في مجتمعات متعددة الثقافات والأديان، حيث لا يكفي الاعتماد على المخزون المعرفي التقليدي، بل لا بد من فهم عميق للواقع الاجتماعي والفكري الذي يعيش فيه المتلقي.
اللغة ليست كلمات فقط.. بل وعي وسياق
في محاضرته، توقف الدكتور الليثي مطولًا عند التحديات اللغوية التي تواجه الدعاة، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن فقط في سلامة اللغة من الأخطاء، بل في مدى قدرتها على الوصول إلى عقل وقلب المخاطَب.
وأوضح أن استخدام لغة تقليدية جامدة في بيئات حديثة قد يؤدي إلى فجوة معرفية، تجعل الخطاب الدعوي غير مفهوم أو غير مؤثر، مشددًا على أن الداعية مطالب بأن يوازن بين الحفاظ على فصاحة اللغة العربية، وبين تبسيط المفاهيم بما يتناسب مع خلفيات المتلقين الثقافية والتعليمية.
النسق المعرفي.. مفتاح التأثير الحقيقي
أحد أبرز محاور الندوة كان الحديث عن «النسق المعرفي»، وهو المفهوم الذي يشير إلى المنظومة الفكرية والقيمية التي تشكل طريقة تفكير الإنسان وفهمه للعالم وبيّن الدكتور الليثي أن تجاهل هذا النسق عند مخاطبة الناس قد يؤدي إلى فشل الخطاب الدعوي، مهما بلغت قوة النصوص أو سلامة الاستدلال.
وأكد أن الداعية الناجح هو من يدرك الفروق بين المجتمعات، ويعرف كيف يخاطب العقل الغربي الذي تحكمه الفلسفة والعقلانية، والعقل الشرقي الذي تحكمه العاطفة والتقاليد، دون أن يفرط في ثوابت الدين أو ينزلق إلى التنازلات الفكرية.
الدعوة في عالم متعدد الثقافات
الندوة سلطت الضوء كذلك على التحديات الخاصة بالدعوة في البيئات متعددة الثقافات، حيث تتقاطع الأديان والأفكار والهويات. وأشار المحاضر إلى أن الداعية في هذه البيئات لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الإسلام بصورته الكلية، ما يفرض عليه مسؤولية مضاعفة في اختيار الألفاظ، وفهم السياقات، وتقديم الخطاب بروح إنسانية جامعة.




