تقارير-و-تحقيقات

الأمة الإسلامية بين صدمات الواقع وقوانين النشوء الحضاري.. قراءة في فكر الشيخ خالد الجندي

 

تقرير: مصطفى على

 

في ظل مشهد عالمي متغير، يتسم بكثرة الأزمات والصراعات وتراجع الاستقرار في عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، يبرز تساؤل حائر على ألسنة كثيرين: “أين الأمة الإسلامية؟.
سؤال بات يتردد بقلق في القنوات الإعلامية، ومجالس النقاش، وحتى في نفوس العامة الذين يشعرون بأن هذه الأمة التي حملت لواء الحضارة لقرون، باتت تعيش حالة من التراجع أو التيه.

الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، اختار أن يواجه هذا السؤال لا بالإنكار أو التهوين، بل عبر مقاربة فكرية وتحليل تاريخي يستند إلى ملامح تطور الأمم، في ضوء المفكرين الكبار أمثال ابن خلدون، مقرًّا بأن ما تمر به الأمة اليوم لا يخرج عن السياق الطبيعي لصعود وسقوط القوى والحضارات عبر التاريخ.

الأمة ليست حالة ثابتة… بل كيان حيّ يمر بمراحل النضوج

في حديثه الإعلامي الأخير، شدد الشيخ خالد الجندي على أن الأمة الإسلامية كسائر الكيانات الحضارية لا تعيش في حالة واحدة مستقرة، بل تمر بمراحل متعددة من النمو، النضج، الثبات، والضعف، تمامًا كما تمر الكائنات الحية أو حتى المؤسسات الكبرى من شركات ومجتمعات بأنماط تطور تتضمن الانتكاسات والانتصارات.

وقال الجندي:

علينا أن نعي أن الأمة ليست نموذجًا مثاليًا دائم الاستقرار، بل هي كيان حيّ يتأثر بعوامل داخلية وخارجية، يخضع لصيرورة تاريخية تشهد فيها صعودًا حينًا، وتعثرًا حينًا آخر.

 

وهو بذلك يستند إلى رؤية ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع ومبتكر نظرية “دورة العمران”، والتي ترى أن الأمم تمر بدورة طبيعية من التأسيس، ثم القوة، فالاتساع، قبل أن تعتريها عوامل الضعف والشيخوخة، ما لم تتجدد أدواتها وتتمسك بقيمها الجوهرية.

الهجمات لا تعني نهاية الأمة… بل تحفّزها على المقاومة والتجدد

وعن واقع الأمة الإسلامية المعاصر، أكد الجندي أن ما نشهده من حملات تشويه، واختراقات ثقافية وفكرية، ومحاولات ضرب النسيج المجتمعي لبعض الدول، لا يُعدّ دليلًا على زوال هذه الأمة أو موتها، بل هو انعكاس طبيعي لصراع حضاري مستمر، كانت فيه الأمة الإسلامية دومًا هدفًا بسبب ما تملكه من مقوّمات فكرية وروحية وحضارية.

وأكد أن الإسلام، رغم هذه الهجمات، يثبت يوماً بعد يوم قوّته وانتشاره، مشيرًا إلى أن إحصاءات الأمم المتحدة وغيرها من الجهات العالمية المعنية بالتحولات الدينية، تظهر أن الإسلام هو الدين الأكثر انتشارًا في العالم، من حيث معدلات النمو والدخول إليه، لا سيّما في أوروبا وأمريكا وأفريقيا.

وقال الجندي:

هذه الحقيقة لا تحتاج إلى معجزات لإثباتها، بل تتوفر في قواعد البيانات والإحصاءات المفتوحة، وكل من يملك القدرة على البحث سيكتشفها بوضوح.

سر بقاء الإسلام: دين يحترم العقل ويُغذّي الروح

في تحليله لسبب صمود الإسلام وقدرته على البقاء رغم كل التحديات، ذهب الشيخ خالد الجندي إلى أن سرّ تفوق هذا الدين لا يعود فقط إلى الجانب العقائدي أو الشعائري، بل إلى شموليته وتكامله، حيث يوازن بين متطلبات العقل واحتياجات الروح والنفس الإنسانية.

وأشار إلى أن الإسلام لا يتعامل مع الإنسان ككائن مادي فقط، بل يخاطب أبعاده المتعددة، ويؤمن بالحوار الفكري والاجتهاد، ويحترم الفطرة والعقلانية، وهو ما يميّزه عن سائر العقائد الأخرى التي قد تكتفي بالطقوس أو تُغفل العقل.

كما أضاف:

الإسلام هو الدين الوحيد الذي احتفظ بمنهجيته التفاعلية مع الحضارة، وكان في قلب الحركة العلمية والفكرية على مدار قرون، من بيت الحكمة في بغداد إلى الجامع الأزهر في القاهرة.

التحديات ليست نهاية الطريق… بل فرصة لتجديد المشروع الحضاري

وفي رسالته للمجتمعات الإسلامية، رفض الشيخ خالد الجندي فكر الانكسار أو التصديق بأن الأمة قد انتهت، مشددًا على أن وجود الأزمات والعقبات ليس دليلًا على الموت، بل هو سُنّة تاريخية تحدث مع كل أمة.

وأوضح أن كل أمة تمر بلحظات انحدار، لكن ما يميزها هو قدرتها على التجدد الذاتي وإعادة البناء، وهو ما يفعله الإسلام اليوم على صعيد الانتشار، والفكر، والتواصل مع الأجيال الجديدة.

وختم حديثه بدعوة صريحة إلى أن ننظر إلى ما تمر به الأمة لا بعين الإحباط، بل بعين الفهم والوعي، مستندين إلى التاريخ والعقل، لا إلى الخطابات الشعبوية أو النظرة العاطفية السطحية.

الأمة حيّة ما دام في أبنائها وعي وتجديد

التحقيق في كلام الشيخ خالد الجندي يكشف أن الحديث عن “غياب الأمة” لا يجب أن يُؤخذ على ظاهره، فالأمة لا تغيب بضعف ظاهر أو مشكلات سياسية، بل تُقاس بمقدار ما تحتفظ به من قيم، وما تقدّمه من مشروع حضاري مستمر.

وفي عالم تتجاذبه الأزمات، تظل الأمة الإسلامية بحاجة إلى خطاب واثق، يحترم العقل، ويصمد في وجه التحديات، ويؤمن بقدرة التجدد من الداخل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى