الإسراء والمعراج: رحلة النبي ﷺ من الأرض إلى السماء

تقرير:مصطفى علي
في ليلة مباركة، تجلت قدرة الله عز وجل في واحدة من أعظم المعجزات التي شهدتها البشرية، رحلة الإسراء والمعراج فقد انتقل النبي ﷺ من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف، ثم عُرج به إلى السماوات العلى، رحلة تثبيت لفؤاده ﷺ وتسلية لقلبه الطاهر، وإعلان لعظمة الرسالة الخاتمة التي حملها للعالمين.
التهيئة الروحية: شق الصدر وغسل القلب
قبل انطلاق الرحلة، أعد الله قلب النبي ﷺ لاستقبال أسرار الملكوت جاءه جبريل عليه السلام ومعه ملائكة السماء، فشُق صدره الشريف وغُسل قلبه بماء زمزم، وملئ بالحكمة والإيمان استعدادًا للمعجزة.
كما ورد في الحديث الشريف:
«أُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي… ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إيمَانًا وَحِكْمَةً» [صحيح مسلم (264)].
بهذه الطقوس السماوية، أصبح قلب النبي ﷺ وعاءً يتلقى أسرار الملكوت، ومهيأً للارتقاء في المعارج السماوية.
ركوب البراق: من مكة إلى القدس
بعد تهيئة الجسد والروح، امتطى النبي ﷺ دابةً فريدة تُعرف بـ”البراق”، وهي دابة تفوق الوصف سرعةً وجمالًا، تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، طاوية الأرض تكرمةً لراكبها.
وبصحبة جبريل عليه السلام، عبر النبي ﷺ الفيافي وصولًا إلى القدس، مرورًا بمحطات مباركة:
طيبة: مهاجره المستقبلي.
طور سيناء: حيث كلمه الله موسى عليه السلام.
بيت لحم: مهد المسيح عليه السلام.
«فَصَلَّيْتُ بِطَيْبَةَ… صَلَّيْتُ بِطُورِ سَيْنَاءَ… صَلَّيْتُ بِبَيْتِ لَحْمٍ» [سنن النسائي (450)].
هذه الوقفات المؤثرة تربط بين مهبط الوحي ومنازل الأنبياء، مؤكدًا وحدة الرسالات السماوية.
الصلاة بالأنبياء في بيت المقدس
عند وصول النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى، جُمعت أعظم قبة بشرية في التاريخ؛ حيث اجتمع الأنبياء والمرسلون لاستقباله، وأمَّهم إمامًا، إعلانًا لسيادته ﷺ.
وبعد ذلك، بدأ المعراج السماوي، حيث استفتح جبريل أبواب السماء، واستقبله الأنبياء في كل سماء بالترحاب، من آدم عليه السلام وصولًا إلى إبراهيم الخليل ﷺ، وصولًا إلى سدرة المنتهى، حيث شاهد النبي ﷺ من آيات ربه ما لا يحيط به الوصف.
«ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجُمِعَ لِي الْأَنْبِيَاءُ… ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» [سنن النسائي (450)].
فرض الصلاة: هدية الرحمة للأمة
في أوج المعراج، تلقى النبي ﷺ أعظم هدية لأمته، وهي الصلاة. فُرضت أولًا خمسون صلاة يوميًا، ثم بفضل شفقة الله ونصيحة موسى عليه السلام، خُففت إلى خمس صلوات في الأداء، مع أجر خمسين صلاة، لتكون صلة مستمرة بين العبد وربه، وتجسد الرحمة الإلهية.
«فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ… فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ… فَحُطَّ عَنِّي خَمْسًا…» [صحيح البخاري ومسلم]
هذا التكليف الإلهي أرسي قواعد العبادة اليومية التي تجمع بين القرب من الله والرحمة بالأمة.
العودة إلى مكة وتصديق الصديق
عاد النبي ﷺ إلى مكة، حاملاً اليقين والمعرفة بأسرار الملكوت، فأخبر قومه بما رأى، فلاقاه التكذيب والاستهزاء، إلا أن معدن الإيمان ظهر في أبي بكر الصديق، الذي قال: “إن كان قاله فقد صدق”، مستحقًا بذلك لقب “الصديق”.
ابن هشام: «فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ… فَقَالَ: وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ» [سيرة ابن هشام (2/34)].




