الإفتاء توضح الحكم الشرعي حول لبن الأضحية وصوفها قبل الذبح

كتب: مصطفى على
مع اقتراب عيد الأضحى، تزداد التساؤلات المتعلقة بالأضحية، وما يجوز فعله بها قبل أن تُقدَّم قربانًا لله تعالى ومن بين أكثر الأسئلة تكرارًا، ما يتعلق بجواز الانتفاع بلبن الأضحية وصوفها قبل ذبحها. فهل من الحرج في أن يحلب المضحي النعجة التي اشتراها للأضحية؟ وهل يجوز له أن يجزّ صوفها ويبيعه أو يستخدمه؟ سؤال وجّهه أحد المواطنين إلى دار الإفتاء المصرية، فجاء الجواب محمّلاً بتفاصيل فقهية تجمع بين الرأي الميسر والخلاف المعتبر.
الفتوى الرسمية: لا مانع شرعي ولكن الأفضل التصدق
في ردها عبر موقعها الرسمي، أوضحت دار الإفتاء المصرية أنه لا مانع شرعًا من الانتفاع بلبن الأضحية وصوفها قبل الذبح، مشيرة إلى أنه من الأفضل التصدق بهما أو بثمنهما، وذلك “خروجًا من خلاف من كره ذلك”.
هذا التوجيه الشرعي لا يحمل المنع القاطع، وإنما يوازن بين الجواز الشرعي والرغبة في تجنب مواطن الخلاف الفقهي، خاصة في الأمور المتصلة بالشعائر الدينية التي تستوجب الكمال في النية والفعل.
الأضحية في ميزان الفقه: سنة مؤكدة لا يُستحب تركها
لفهم السياق الفقهي الذي تنطلق منه هذه الفتوى، لا بد من التوقف عند مفهوم الأضحية ذاته فقد بيّنت دار الإفتاء أن الأضحية هي ما يُذبح من بهيمة الأنعام كالغنم والبقر والإبل تقربًا إلى الله تعالى وفق شروط مخصوصة وهي سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء، حتى إن تركها ممن يستطيع القيام بها يُعد تفويتًا لخير عظيم.
وقد استشهدت الدار بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: “ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم”، في إشارة إلى عظم أجر الذبح يوم العيد، وبيان أن الدم، وقرون الأضحية، وأشعارها، وأظلافها، كلها تحضر في ميزان الحسنات يوم القيامة.
الانتفاع قبل الذبح: جدل بين المدارس الفقهية
لكن ما الموقف من لبن الأضحية وصوفها إذا ما تم الانتفاع بهما قبل الذبح؟ هذا السؤال تباينت بشأنه آراء الفقهاء القدامى:
أولًا: الحنفية والمالكية كراهة مع توصية بالتصدق
ذهب جمهور من علماء الحنفية والمالكية إلى كراهة الانتفاع بلبن الأضحية أو بجز صوفها قبل الذبح، معتبرين أن ذلك يُنقص من كمال الأضحية التي ينبغي أن تُقدَّم كاملة غير منقوصة وعلّلوا ذلك بأن الأضحية أشبه ما تكون بالهبة أو القربان الذي يُقدَّم لله تعالى، وما يُهدى لله لا ينبغي أن يُنتقص منه شيء قبل تقديمه.
لكنهم لم يغلّظوا في المنع، بل قالوا: إن حدث ذلك أي حلبها أو جز صوفها فعلى المضحِّي أن يتصدق باللبن أو الصوف، أو بثمنهما إن باعهما بعض فقهاء الحنفية فرّقوا بين من اشترى الأضحية من المعسر (أي الفقير)، فيكون الأولى الكف عنها، وبين من اشتراها وهو موسر (غني)، فرخّصوا له في الانتفاع بها.
ثانيًا: الشافعية والحنابلة – جواز مشروط بالحاجة وعدم الضرر
أما الشافعية والحنابلة، فقد أجازوا حلب لبن الأضحية إن كان زائدًا عن حاجة ولدها، وهو تفصيل يعكس اهتمامهم بمراعاة مصلحة الحيوان وذريته أما بخصوص جز الصوف، فقالوا بجوازه فقط إذا كان في بقائه ضرر على الأضحية، أو كان في وقت بعيد عن الذبح، مشيرين إلى أن بقاء الصوف قد يكون له مصلحة في حماية الحيوان من البرد أو الشمس، وبالتالي فإن جزه يكون مبررًا فقط عند الضرورة، مع استحباب التصدق به.
روح الأضحية: كمال القربان وتجنب النقص
تستند هذه الفتاوى إلى مبدأ أساسي في فقه الأضحية، وهو تقديم القربان على أكمل وجه، دون أن يُمسّ منه شيء قبل تقديمه لله ولهذا، فحتى في حال الجواز، تظل الأفضلية في التصدق باللبن أو الصوف، تحسّبًا لما قد يُعدّ منقصة في قيمة القربان، ولدرء الخلاف الفقهي.
ويُستدل هنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا” ومن هنا، فإن كمال الأضحية لا يُقاس فقط بجودة الذبيحة، بل بكمال نية المضحي وحفاظه على تمام الأضحية حتى لحظة الذبح.
الاعتبارات الاقتصادية والواقعية: هل يجوز بيع لبن الأضحية؟
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها كثير من الأسر، قد يلجأ البعض إلى بيع لبن الأضحية أو صوفها لتخفيف العبء المالي وهنا، جاءت الفتوى لتبيّن أنه في حال البيع، يُستحب التصدق بقيمة ما تم بيعه، وذلك حفاظًا على روح الشعيرة، وتحقيقًا لمقصود الأضحية في التقرب لا في التجارة.
بين الجواز والاحتياط… المضحي على مفترق نيتين
الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية تنحاز إلى التيسير، لكنها في الوقت ذاته تستحضر القيم الروحية العالية لشعيرة الأضحية. فالجواز لا يعني الاستباحة المطلقة، والتصدق لا يعني الحرمان وإنما المقصود أن يُقدِّم المضحي أضحيته بقلب سليم، ونية خالصة، وجسدٍ لم يُنتقص منه قبل أن يُقرّب لله.

