أخبار

الإمام الأشعري: جسرا معرفيا ووحدة للأمة في عصر التجديد الكلامي الأزهري

 

كتب: مصطفى علي

 

انعقد اليوم الثلاثاء المنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف تحت عنوان: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية»، بحضور جمع من العلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ورعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب. واعتبر فضيلة الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء ومدير مركز الإمام الأشعري، هذا المنتدى لبنة فكرية جديدة في صرح الأزهر العلمي والدعوي، تعكس اهتمام المؤسسة الأزهرية بالنهج الوسطي والحوار البناء بين الفرق الإسلامية.

الإمام الأشعري: سليل الصحابة وباني الجسر بين العقل والوحي

أكد د. حسن الشافعي أن الوقوف أمام تراث الإمام أبي الحسن الأشعري يمثل لحظة وعي فارقة في التاريخ المعرفي للأمة. فالإمام الأشعري، ابن سلالة الصحابة الأشعريين من اليمن، لم يؤسس مذهبًا جديدًا، ولم يخرج عن الإجماع السابق، بل جاء ليحيي مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب السلف الصالح، معتمدًا على النصوص الموثقة في كتب مثل «تبيين كذب المفتري» و«طبقات الشافعية»، وجامعة المقالات، حيث كان يعرفه معاصروه بـ«المجدد الذي انتظرته الأمة».

وأوضح الشافعي أن الإمام الأشعري بنى جسرًا معرفيًا متينًا، جمع بين أدلة العقول ونصوص الوحي، مواصلًا الدفاع عن العقيدة الصحيحة في زمن امتلأ بالشبهات الفكرية، ومكسرًا موجات التطرف العقلي والجمود الحشوي على حد سواء.
وأضاف: «كان بعقله البصير وقلبه المخلص ومنهجه الإصلاحي الرشيد قادرًا على خلق توازن بين العقل والنقل».

إطلاق مرحلة جديدة من «التجديد الكلامي الأزهري»

وأشار مدير مركز الإمام الأشعري إلى أن تأسيس المشيخة العامة للأزهر لمركز الإمام الأشعري وإطلاق هذا المنتدى يمثل إعلانًا عن مرحلة جديدة من التجديد الكلامي الأزهري، تهدف إلى استلهام تراث الإمام الأشعري لإعادة الاعتبار لعلم الكلام السني كأداة دفاع عن العقيدة بأدلة يقينية تناسب عقلية الإنسان المعاصر وتجيب على أسئلته الوجودية.

وأوضح الشافعي أن الإمام الأشعري لم يكن مجرد مناظر يريد إفحام خصومه، بل كان باحثًا عن الحقيقة وراعيًا للاستقامة، وجعل من تحرير محل النزاع وإجلاء الحق هدفًا ساميًا، مؤكدًا النزاهة العلمية في مواجهة الصراعات الفكرية.

لفت فضيلة الشافعي إلى أن كتاب الإمام الأشعري «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» يعكس أمانة علمية عالية، إذ عرض فيه آراء الفرق الإسلامية بموضوعية، مستخدمًا ألفاظهم ومصطلحاتهم دون تحريف أو تشويه، ما جعله مرآة صافية لتنوع الفكر الإسلامي في عصره. وأوضح أن روح الإنصاف والأخلاقيات الفكرية التي سادت مدرسة الأشعري تمثل دستورًا للعدل الفكري، يوازن الآراء ويصون الحقيقة بعيدًا عن الصراعات العقيمة.

إعادة قراءة تاريخ الفرق والمذاهب بنهج نقدي منصف

وأشار الشافعي إلى أن مركز الإمام الأشعري يطلق نداءً علميًا لإعادة قراءة تاريخ الفرق والمذاهب قراءة نقدية منصفة، لا بهدف اجترار الماضي، بل لاستلهام الموضوعية الأشعرية في إنصاف الآراء وبناء خطاب علمي متوازن يضع الفكر الإسلامي في مكانه اللائق عالميًا.
وأضاف أن الإمام الأشعري أدرك مبكرًا خطورة التكفير للمخالفين، الذي يؤدي إلى استحلال الدماء وانتهاك الأعراض وتفكيك المجتمعات، فأسس ضوابط حازمة تحد من التطرف وتحمي الأمن الداخلي للأمة.

وجه د. حسن الشافعي نداءه إلى جميع الفرق الإسلامية، الحنابلة والزيدية والإباضية والشيعة، مؤكداً أن ما يجمع الأمة يفوق ما يفرقها، محذرًا من آفات التشرذم والصراعات العقيمة.
وقال: «خصمنا المتربص بالدين والقيم لا يميّز بين مذهبي أو مذهبيكم، بل يستهدف أصل الشجرة التي نعيش تحت ظلالها جميعًا».

ودعا الشافعي إلى تبني فلسفة الأشعرية الوسطية وروحها المنصفة كنموذج للخطاب الفكري الإسلامي المعاصر، مؤكدًا أن ذلك الطريق يحمي دماء الأمة وحرماتها من استغلال التطرف، ويزرع في نفوس الشباب يقينًا وبصيرة نافذة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى