
في تغير مفاجئ لدفة الأحداث، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”- في السادس من مايو الجاري- إبرامه اتفاق لوقف إطلاق النار مع جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، تتوقف بموجبه الضربات الأمريكية على اليمن بشكل فوري، ويضمن مرور السفن الأمريكية عبر البحر الأحمر.
وعلى الرغم من الاتفاق، استمر السجال الدائر بين ترامب والجماعة، حول ملابسات عقد الاتفاق، فبينما تحدث “ترامب” عن تعهدات قدمها الحوثيون له مقابل وقف ضرباته عليهم، نفت الجماعة بشكل كلي حدوث ذلك، وكان آخر نفي لها هو تصريح “عبد الملك الحوثي”- زعيم الجماعة، واصفًا تصريحات “ترامب” بأنها “أبعد من عين الشمس والمستحيل ذاته”، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية هي من توجه لعمان طلبًا للتفاوض، عقب فشلها في وقف الإسناد اليمني لغزة، وذلك على الرغم من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ منذ اللحظات الأولى لإعلانه، ما يطرح التساؤل عن مصير هذا الاتفاق، في ظل الثقة والقوة التي تتحدث بها الجماعة ضد الآخر.
وفي تصريحات خاصة لـ”اليوم“، فسر الدكتور “حسن سلامة”- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- ذلك في ضوء إصرار الحوثي على استمرار عملياته ضد الاحتلال، فقال: “حديث الحوثي الواثق جزء من الحرب النفسية، حيث يظهر كل الطرف أمام خصمه بأنه يمتلك كل مصادر القوة، ومن ثم يفقده 50% من قدراته، كما يبدو واضحًا للعيان من تلك التصريحات إصرار الحوثيين على استهداف السفن وسلاسل الإمداد وحركة التجارة بصفة عامة، ما يلقي بظلاله على مصالح الولايات المتحدة”.
وأضاف: “ومن ثم لا أعتقد أن هذا الاتفاق سيكون مستدام، إنما هو اتفاق هش يمكن أن ينهار في أي لحظة، وقد أشار الحوثيون إلى هذا الأمر، حيث يقتصر الاتفاق- وفقا لإعلانهم على السفن الأمريكية، دون أن يشمل قضية استهداف السفن المتجهة لإسرائيل”.
هشاشة الاتفاق التي تحدث عنها أستاذ العلوم السياسية أضعفت في رؤيته احتمالات التوصل لنتائج قوية من وراءه، مؤكدًا في تصريحاته: أن “ذلك سيتضح بعد انتهاء جولة ترامب في الخليج العربي، فالأمر كله لا يعدو أن يكون تكتيكا ليظهر ترامب بصورة رجل السلام، الذي أنهى بؤر توتر كثيرة جداً تؤرق الاقتصاد العالمي، وما إن يحصل على ما يبتغيه من منافع اقتصادية يستنزف بها أموال الخليج، ستعود الأمور لما كانت عليه”.
اتركونا وشأننا

“هاجموا إسرائيل واتركونا وشأننا… لو كنت إيرانيا ما فهمت غير ذلك”، هكذا وصف الصحفي بالقناة 12 العبرية “عميت سيجال” الاتفاق، حيث ضج الإعلام العبري بالتصريحات التي رأت فيه تخلي من الولايات المتحدة عن ربيبتها في المنطقة، كما تحدثت تقارير إعلامية عن صدمة رئيس وزراء الاحتلال “بنيامين نتنياهو” من هذا الاتفاق.
متابعة| نائب رئيس الهيئة الإعلامية لأنصار الله باليمن للجزيرة مباشر:
ـ الولايات المتحدة فشلت في حربها على اليمن وقررت الهروب من دعم إسرائيل
ـ الرئيس الأمريكي تخلى عن حماية السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر لكننا لن نتخلى عن غزة
ـ الرئيس الأمريكي هو من بادر بإرسال الرسائل إلينا…
— وكالة سند للأنباء – Snd News Agency (@Snd_pal) May 7, 2025
وقد أكد الحوثيون تلك الفكرة وكأنهم يرغبون في تثبيتها، وذلك في تصريحات نائب رئيس الهيئة الإعلامية للجماعة، التي جاءت لتأكيد استمرار الجماعة في منع مرور سفن الاحتلال في البحر الأحمر إسنادا لغزة، بيد أنه استهل تصريحاته بقول: “الرئيس الأمريكي تخلى عن حماية السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، لكن اليمن لن يتخلى عن غزة”. وأتبعت الجماعة تلك التصريحات بنشر مقطعا مصورا يظهر المطارات لدى الاحتلال، مؤكدة أنها ستبقى مرمًا لأهدافهم ما بقي حصار غزة.
وكان هذا ما يتحسب له الاحتلال منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، فعلى مدار يومين تداول الإعلام العبري أحاديث عن المنظومة الأمنية، تؤكد استعداد جيشهم لضربات مكثفة يوجهها الحوثيون إليهم، مركزين على محطات الطاقة الكهربائية والبنية التحتية.
لكن “سلامة” كانت له رؤية أخرى فيما يتم تداوله حول فكرة تخلي الولايات المتحدة عن الاحتلال، إذ لا يرى في ذلك حقيقة، فقال: “الأمريكان مثلهم مثل الإسرائيليين تقوم تصريحاتهم على فكرة المراوغات، ليحول النظر إلى موضوعات أخرى خلاف الموضوعات الأصلية، فالعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هي علاقة تاريخية استراتيجية، بما لا يمكن الولايات المتحدة من التخلى عن إسرائيل، لأن الأخيرة دولة وظيفية تؤدي مصالح الأولى في المنطقة، وإلا كيف نفسر ما يحدث من دعم مستمر على كافة الأصعدة لعدوانها المستمر، حتى على أراضي دول مستقلة عربية مثل: لبنان وسوريا”.
وتابع: “ومن ثم فما يحدث ما هو إلا عرض إعلامي تنفذه الولايات المتحدة لتظهر ترامب بالصورة سالفة الذكر، وإن ظهرت إسرائيل وحدها في صورة الجلاد، فهي صورة أضحت لصيقة بها، ولن يضيرها تبرئته لساحته بشكل مرحلي، ليحصل من الخليج على ما يريد من منافع اقتصادية أو صفقة القرن إن استطاع”.
الصداع اليمني

علق صحفيون في الإعلام العبري على الاتفاق، بقول: “ها قد عاد الصداع إلينا”، في إشارة للعمليات اليمنية غير المحدودة وصافرات الإنذار في الأراضي المحتلة، وقد حققت الجماعة الحوثية توقعاتهم بشكل عاجل، حين أعلنت تنفيذ عدة عمليات ضدهم، فهاجمت مطار رامون في منطقة إيلات- أم الرشراش- المحتلة جنوب فلسطين، باستخدام طائرتين مسيرتين، كما تحدثت عن مهاجمة هدف حيوي في يافا المحتلة بطائرة مسيرة.
وفي إعلان آخر لجماعة أنصار الله، عبرت عن استعدادها وجاهزيتها لاستئناف الضربات الموجعة والقاسية على ما وصفته “بالعدو الأمريكي”، حال عاد للعدوان على اليمن.
وقد وصف “سلامة” تلك التصريحات بأنها: “وسيلة من وسائل الضغط، للحصول على ما تريد، حال كانت هناك مفاوضات سرية وراء الكواليس، والجزء الأخر منها حقيقي لمحاولة ردع إسرائيل لتوقف العدوان على غزة، حال استشعرت الألم أو شعرت بتخلي الولايات المتحدة عنها”.
الصحفي الإسرائيلي “يانير كوزين” رأى في الاتفاق “تغيرا في النبرة الأمريكية والموقف تجاه الاحتلال، وتعبيرا عن استراتيجية أمريكية تبحث عن نتائج سريعة ملموسة، ما قد يدفعها للتقدم بدونهم حال لم يقدم الاحتلال خطط بجداول زمنية محددة، واستدل من ذلك الاتفاق والمفاوضات الجارية مع إيران أن ذلك قد يحدث قريبا في غزة، إذ أن الزمن والوقت في الرؤية الأمريكية أقوى وأكثر ضغطًا، وأكد أن تلك الرؤية نقلت إليه من مصادر مقربة للإدارة الأمريكية؛ ليطفو التساؤل على الساحة: هل تحسبت الولايات المتحدة لخسائرها وحدها من المواجهة مع الحوثيين لذا أبرمت الاتفاق؟
أجاب الأستاذ بكلية العلوم السياسية بجامعة القاهرة عن ذلك التساؤل فقال: ” نعم تحسبت الولايات المتحدة لخسائرها من المواجهة مع الحوثيين، لكن ليس معنى ذلك أن يستمر الاتفاق، إنما هي دخلت الاتفاق باعتباره هدنة مؤقتة لتعيد ترتيب أوراقها، مثلها مثل الفكرة المطروحة بإدارة أمريكية لقطاع غزة ونزع سلاحها، بأن تتوقف الحرب عدة أيام حتى انتهاء زيارة ترامب، وهو ما لا يصل بنا للنتيجة المرجوة، سواء بعودة الملاحة أو إعطاء الفلسطينيين حقهم”.
وفي النهاية اجتمع ضغط الاحتلال مع الغرور الأمريكي الذي تحكمه المصالح، والجاهزية الحوثية للعودة للقتال، ليؤكد ما خلص إليه “سلامة” لمآلات الاتفاق، حين قال: “إن هي إلا فترة وجيزة وستعود الضربات الأمريكية البريطانية المشتركة على معاقل الحوثيين، حيث لن يتراجع الحوثي عن استهداف باقي السفن، ومن ثم سيعد مهددا لحركة الملاحة البحرية العالمية، ليكون ذلك ذريعة لاستئناف العمليات ضد اليمن”.




