تقارير-و-تحقيقات

التطرف بين الفهم والمواجهة.. محاضرة فكرية بدار الإفتاء في مطروح

كتب: مصطفى علي

لا يولد التطرف فجأة، ولا يظهر في المجتمعات باعتباره حدثًا عابرًا أو حالة استثنائية بلا جذور. بل هو مسار معقّد، يبدأ غالبًا من نقطة خفية تتمثل في سوء الفهم وقلة الوعي، ثم يتسلل تدريجيًا إلى العقول حتى يتحول من مجرد فكرة مشوشة إلى قناعة زائفة، قد تتصادم مع القيم الإنسانية ذاتها، قبل أن تتجسد في سلوك عدائي يهدد أمن المجتمعات واستقرارها بمختلف أطيافها.

هذه الرحلة الخطرة من الفكرة إلى الفعل تمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه الدول والمؤسسات الدينية والفكرية، خاصة في ظل عالم متشابك تزداد فيه مصادر التأثير، وتتسارع فيه محاولات استقطاب الشباب عبر خطاب ديني مغلوط يخلط بين التدين الحقيقي والفهم الأعوج للنصوص.

كيف ينشأ التطرف؟ سؤال البداية في معركة الوعي

من أين يبدأ التطرف؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله شبكة معقدة من العوامل الفكرية والنفسية والاجتماعية. فالتطرف لا ينشأ فقط من قراءة خاطئة لنص ديني، بل يتغذى على بيئة تسمح بسوء الفهم، وعلى فراغ معرفي، وعلى غياب القدوة الفكرية القادرة على التفكيك والتوضيح.

في كثير من الأحيان، يبدأ الأمر بتلقي معلومة مبتورة، أو تأويل مجتزأ، أو خطاب عاطفي يوظف الدين لتحقيق أغراض أيديولوجية، ثم تتراكم هذه المفاهيم المشوهة لتكوّن منظومة فكرية مغلقة، ترفض الآخر، وتقصي المختلف، وتبرر العنف باسم الدين.

متى يختلط التدين بالفهم الأعوج؟

الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود أفكار متطرفة، بل في لحظة اختلاطها بالدين، حيث يكتسب التطرف غطاءً قدسيًا زائفًا. في هذه المرحلة، يصبح النقاش أكثر تعقيدًا، لأن الفكرة لم تعد مجرد رأي، بل تحولت إلى “قناعة دينية” في نظر صاحبها، حتى وإن كانت بعيدة كل البعد عن مقاصد الشريعة وروح الإسلام.

هذا الخلط بين التدين الصحيح والفهم المنحرف يمثل واحدة من أخطر آفات العصر، لأنه يسيء إلى الدين ذاته، ويشوّه صورته، ويحول النصوص من أدوات هداية وبناء إلى ذرائع صراع وهدم

من الفهم إلى المواجهة.. كيف نكسر دائرة التطرف؟

الفهم وحده لا يكفي. إدراك ظاهرة التطرف وتحليل أسبابها خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية ما لم تتبعها القدرة على المواجهة الفعلية وهنا تبرز أهمية الانتقال من التشخيص إلى العلاج، ومن التحليل إلى بناء أدوات وقائية تحصّن العقول، خاصة عقول الشباب، من الوقوع في شباك الفكر المتطرف.

المواجهة الحقيقية تبدأ بتجديد الخطاب الديني على أسس علمية رصينة، وتعزيز التفكير النقدي، وفتح مساحات للحوار، وتقديم نماذج دينية متوازنة تجمع بين النص والفهم، وبين الثابت والمتغير، وبين الالتزام والانفتاح.

حماية عقول الشباب.. المعركة الأهم في زمن الأفكار العابرة للحدود

الشباب هم الفئة الأكثر استهدافًا من قبل الجماعات المتطرفة، ليس لضعف في وعيهم، بل لطبيعة المرحلة العمرية التي تتسم بالحماس والرغبة في التغيير والبحث عن المعنى. ومن هنا، تصبح مسؤولية المؤسسات الدينية مضاعفة، ليس فقط في تقديم الفتوى، بل في بناء وعي شامل يربط بين الدين والحياة، ويقدم الإسلام بوصفه مشروع بناء لا أداة صدام.

حماية الشباب تبدأ بتوفير المعرفة الصحيحة، وبناء الثقة بينهم وبين المؤسسات الدينية، وتقديم خطاب قريب من واقعهم، يفهم تساؤلاتهم، ويجيب عنها دون تعالٍ أو تبسيط مخل.

دار الإفتاء تفتح النقاش.. محاضرة فكرية في قلب المحافظات

في إطار دورها التوعوي، وتنفيذًا لاستراتيجيتها في مواجهة التطرف الفكري، تنظم دار الإفتاء المصرية محاضرة فكرية مهمة بعنوان «التطرف بين الفهم والمواجهة»، يلقيها فضيلة الشيخ أحمد عبد الحق، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.

تأتي هذه المحاضرة ضمن فعاليات دورة الهوية الدينية وقضايا الشباب، التي تعقدها دار الإفتاء في عدد من المحافظات، بهدف الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، وتعزيز الوعي الديني الرشيد خارج نطاق المركزية الجغرافية.

الزمان والمكان.. دعوة مفتوحة للحوار والوعي

اليوم: الثلاثاء 16 ديسمبر 2025

التوقيت: من 11 صباحًا حتى 3 عصرًا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى