تقارير-و-تحقيقات

الحمض النووي يكشف الحقيقة المدهشة: المصريون كتلة جينية واحدة بنسبة 98%

 

تقرير: مصطفى علي

في الوقت الذي تحتفي فيه مصر والعالم بافتتاح المتحف المصري الكبير، بوصفه صرحًا حضاريًا يوثّق عبقرية المصري القديم، تكشف دراسة علمية حديثة بُعدًا آخر من عظمة هذا الشعب لا يتعلق بالأحجار والتماثيل، بل بما يجري في الدماء من رموز الوحدة والهوية.
فقد أعلن الدكتور طارق طه أحمد، استشاري الأبحاث الجينية والطب التجديدي، عن نتائج دراسة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، تؤكد أن المصريين رغم تنوعهم الجغرافي والثقافي يشتركون في هوية جينية واحدة بنسبة تقترب من 98%، لتبرهن أن مصر، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، ليست فقط أرض الحضارات، بل أيضًا أمة واحدة بدم واحد.

الجينوم المصري.. ذاكرة الوطن الممتدة عبر العصور

تأتي الدراسة في إطار التوسع العالمي في علم “الجينومات التراثية”، الذي يُعنى بفهم الماضي البشري من خلال دراسة الحمض النووي للأجيال المعاصرة.
وأوضح الدكتور طارق طه أن هذه الأبحاث تسعى إلى تتبع المسار التاريخي للشعوب من خلال ما تحمله الجينات من بصمات عميقة، مشيرًا إلى أن مصر تُعد نموذجًا فريدًا في هذا السياق، لأنها تمثل تقاطعًا حضاريًا بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.

وأضاف الباحث أن الدراسة المصرية الجديدة تُعد أول مرجع جيني شامل للمصريين المعاصرين، وقد صُممت وفقًا لأعلى معايير البحث العلمي في علم الوراثة السكانية، لتكون مرجعًا علميًا مستقبليًا لدراسة أصول المصريين وهجراتهم وتطورهم عبر الزمن.

منهج الدراسة: ألف مصري.. وخريطة وطن في الحمض النووي

شملت الدراسة بيانات جينية لألف مواطن مصري من خلفيات مختلفة، جُمعت عشوائيًا في الفترة ما بين عامي 2008 و2015، دون وجود أي صلات قرابة بينهم.
واتسمت العينة بالتنوع الجغرافي الكامل، إذ ضمّت مصريين من الدلتا والصعيد وسيناء والنوبة وسواحل البحرين الأحمر والمتوسط، لتكون ممثلة حقيقية للنسيج المصري المتكامل.

كما تمت مقارنة الجينات المصرية ببيانات من أكثر من 60 دولة ومجموعة عرقية حول العالم، في خطوة تهدف إلى تحديد موقع مصر الجيني على الخريطة الدولية، وقياس مدى قربها من التجمعات الوراثية الأخرى.

النتائج المذهلة: وحدة جينية تتحدى التفرقة

كشفت نتائج الدراسة عن تشابه جيني مذهل بين المصريين بلغت نسبته 97.66%، وهي من أعلى درجات التجانس الجيني المسجلة لأي شعب في الشرق الأوسط.
وأكد الدكتور طارق طه أن هذه النتيجة تنسف أي دعاوى تفرقة أو تمايز عرقي داخل المجتمع المصري، إذ أثبت العلم أن المصريين مسلمين ومسيحيين، شماليين وجنوبيين ينتمون إلى جذر واحد ودم واحد.

وأوضح أن هذه النتيجة تتوافق مع ما توصلت إليه جامعة لوبك الألمانية في دراستها حول الجينوم المصري، والتي أثبتت بدورها أن المصريين يمثلون مجموعة وراثية متجانسة، ما يؤكد صحة المقولة الخالدة: «مصر ليست دولة، بل أمة واحدة بشعب واحد».

الجسر الجيني العالمي.. مصر نقطة التقاء الشعوب

ولم تقف نتائج الدراسة عند حدود التأكيد على الوحدة الداخلية، بل تجاوزتها إلى الكشف عن الطابع الكوني للجينات المصرية.
فبحسب المقارنات التي أجريت في معهد ماكس بلانك الألماني، تبين أن المصريين يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بشعوب شرق البحر المتوسط، لا سيما فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وعمان، ما يؤكد أن مصر كانت ولا تزال محورًا حضاريًا يجمع الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.

كما أظهرت الدراسة أن الجينات المصرية تحمل أعلى درجة تقارب مع المتوسط الجيني العالمي (GGP)، إذ جاءت الأقرب عالميًا في 15 كروموسومًا بنسبة 96.73%، وهو ما يجعل مصر في قلب الخريطة الوراثية للعالم.

واعتبر الباحث المصري أن النتيجة الأكثر إثارة تتمثل في أن مصر أثبتت علميًا أنها كانت عبر التاريخ “بوتقة الانصهار العالمي للجينات”، نتيجة كثافة الهجرات والغزوات والتفاعلات الحضارية التي مرت بها منذ آلاف السنين.
فمنذ دخول الهكسوس والفرس والإغريق والرومان، وصولًا إلى الفتح العربي والعصر الحديث، ظلت مصر تمتص كل المؤثرات وتعيد تشكيلها في هوية متفردة تجمع ولا تفرق، توحّد ولا تذيب.

وأكد أن الهوية المصرية ليست نتاج تمازج دماء بقدر ما هي نتاج تفاعل حضاري وإنساني عميق، جعل من الجين المصري رمزًا للثبات والانفتاح في آنٍ واحد، فهو يحمل ذاكرة التاريخ وعبقرية التكيّف مع التغير.

من الجين إلى الهوية.. علم يؤكد ما عرفه المصريون بالفطرة

تأتي هذه الدراسة في لحظة رمزية لافتة، تواكب افتتاح المتحف المصري الكبير الذي يُعد أعظم شاهد على وحدة المصريين عبر التاريخ.
فبينما يقف الزوار أمام مومياء توت عنخ آمون أو تمثال رمسيس الثاني، تكشف الجينات اليوم أن تلك الدماء التي سالت في شرايين الملوك والكهنة والعمال لا تزال تسري في عروق المصري المعاصر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى