قصة أصحاب الكهف.. الإيمان والصحبة الصالحة في ميزان الإعجاز القرآني

تقرير: مصطفى علي
في أجواء علمية وروحانية مفعمة بالتدبر والتأمل، احتضن الجامع الأزهر الشريف، أمس الأحد، فعاليات ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي، الذي جاء هذه المرة تحت عنوان: «مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن أصحاب الكهف»، في محاولة علمية معمقة لإعادة قراءة واحدة من أعظم القصص القرآنية التي خلدها الوحي، وربط دلالاتها الإيمانية واللغوية والعلمية بواقع الإنسان المعاصر.
الملتقى شهد حضورًا لافتًا من العلماء وطلبة العلم ورواد الجامع الأزهر، وشارك فيه كل من الأستاذ الدكتور أحمد علي ربيع أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور مصطفى إبراهيم أستاذ العلوم بجامعة الأزهر، وأدار فعالياته الإعلامي أبو بكر عبد المعطي، في إطار منهج يجمع بين التفسير اللغوي، والتحليل الشرعي، والقراءة العلمية للآيات الكريمة.
«فتية آمنوا بربهم».. الإيمان نقطة البداية
في مستهل كلمته، توقف الدكتور أحمد علي ربيع عند الوصف القرآني الدقيق لأصحاب الكهف، مؤكدًا أن العلامة الجوهرية التي ميزتهم ليست عددهم ولا زمن لبثهم، وإنما كونهم «فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى»، مشيرًا إلى أن هذه العبارة القرآنية تختزل منهجًا ربانيًا متكاملًا في التعامل مع الإيمان.
وأوضح أن الإيمان الصادق ليس حالة جامدة، بل هو مسار متصاعد، فكل من يصدق في تعلقه بالله ويستقيم على منهجه، يزيده الله هدى ونورًا وبصيرة، لافتًا إلى أن الزيادة في الهداية جاءت وفق السياق القرآني بعد الإيمان، وهو ما يعكس سنة إلهية ثابتة في التعامل مع القلوب الصادقة.
وأشار إلى أن القرآن يقدم نموذجًا عمليًا للشباب المؤمن، حيث لم يكن أصحاب الكهف أنبياء ولا رسلًا، وإنما فتية آمنوا، فخلد الله ذكرهم، وجعل قصتهم درسًا متجددًا لكل الأجيال، خاصة في أزمنة الفتن والتحديات الفكرية.
الهروب بالدين.. تضحية خلدها التاريخ
وانتقل الدكتور أحمد علي ربيع للحديث عن البعد الإنساني في القصة، موضحًا أن خروج أصحاب الكهف إلى الكهف لم يكن فرارًا من الحياة، وإنما هروبًا بالدين من بطش الظالمين، واختيارًا واعيًا لتحمل المشقة في سبيل الحفاظ على العقيدة.
وأكد أن هذا القرار المصيري قابله عطاء إلهي استثنائي، إذ لم يكتفِ الله بحمايتهم، بل جعل قصتهم باقية تُتلى إلى يوم الدين، لتكون شاهدًا على أن من يضحي بدينه لأجل الله، فإن الله يعوضه بما هو أعظم وأبقى.
الصحبة الصالحة.. درس يتجاوز الزمان
ومن أبرز المحاور التي توقف عندها الملتقى، قضية الصحبة الصالحة، حيث أشار الدكتور أحمد علي ربيع إلى أن قصة أصحاب الكهف تقدم نموذجًا عمليًا لأثر الصحبة في حياة الإنسان، موضحًا أن اجتماعهم على الإيمان كان سببًا في ثباتهم ونصرتهم.
وتوقف عند اللفتة القرآنية العميقة بذكر كلب أصحاب الكهف، مبينًا أن مجرد صحبته للصالحين كانت سببًا في خلود ذكره في القرآن، وهو ما يحمل رسالة واضحة بأن مصاحبة أهل الصلاح والتقوى خير في الدنيا والآخرة، وأن الإنسان يتأثر إيجابًا أو سلبًا بمن يرافقهم.
وشدد على أن هذا الدرس ينبغي أن ينعكس على واقع الناس اليوم، خاصة الشباب، بضرورة اختيار الصحبة بعناية، لأن الصحبة قد تكون سببًا في الرفعة أو سببًا في الهلاك
الإعجاز الغيبي والعلمي في قصة أصحاب الكهف
من جانبه، تناول الدكتور مصطفى إبراهيم القصة من زاوية علمية دقيقة، مؤكدًا أن قصة أصحاب الكهف لا تقتصر على البعد الوعظي، بل تحمل في طياتها مظاهر إعجاز غيبية وتاريخية وعلمية تثبت أن القرآن سبق العلم الحديث في توصيف الظواهر الإنسانية والطبيعية.
وأوضح أن قوله تعالى: «فضربنا على آذانهم في الكهف» يحمل دلالة علمية عميقة، حيث إن الضرب هنا بمعنى التعطيل، مشيرًا إلى أن حاسة السمع هي الحاسة الوحيدة التي تظل في حالة نشاط دائم حتى أثناء النوم، لارتباطها بالعصب الثامن المتصل مباشرة بالمخ.
وبيّن أن تعطيل هذه الحاسة كان ضرورة ليستقر نومهم الطويل، إذ إن أي صوت محيط كان كفيلًا بإيقاظهم، لولا هذا التدخل الإلهي الدقيق الذي ينسجم تمامًا مع ما توصل إليه العلم الحديث في فهم آليات النوم.
كهف بمواصفات صحية دقيقة
ولم يتوقف الإعجاز عند هذا الحد، بل أشار الدكتور مصطفى إبراهيم إلى أن القرآن قدم وصفًا دقيقًا لموقع الكهف واتجاهه، حيث أوضح أن فتحة الكهف كانت متجهة نحو الجنوب، بينما الفجوة في الشمال، مع تعاقب الشمس من الشرق إلى الغرب.
وأكد أن هذه التفاصيل ليست عابرة، بل تعكس توافقًا تامًا مع الاعتبارات الصحية والمناخية، إذ ساعد هذا الموقع على حماية الفتية من أشعة الشمس المباشرة، وتوفير تهوية طبيعية معتدلة، وضمان استقرار درجة الحرارة عبر الفصول الأربعة، وهو ما وفر لهم بيئة مثالية للنوم الطويل دون أن تصيبهم أضرار جسدية.
وأوضح أن هذه الدقة في الوصف تؤكد أن القرآن كتاب هداية وعلم في آن واحد، وأن ترتيب الأحداث والمكان لم يكن عشوائيًا، بل قائمًا على حكمة إلهية تراعي سلامة الإنسان.
الأزهر ومنهجه في ربط النص بالواقع
ويأتي هذا الملتقى في إطار الدور العلمي والتنويري الذي يضطلع به الجامع الأزهر الشريف، حيث يُعقد ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني بصفة أسبوعية كل يوم أحد، تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وبتوجيهات فضيلة الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف.


