الدكتور رفعت العوضي في ذمة الله.. رائد الاقتصاد الإسلامي

تقرير: مصطفى علي
في مشهد حزين يعبّر عن خسارة فادحة للفكر الإسلامي المعاصر، رحل عن عالمنا اليوم السبت الموافق 12 يوليو 2025، الدكتور رفعت السيد العوضي، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بكلية التجارة جامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأحد أعمدة التنظير الاقتصادي الشرعي في العصر الحديث، عن عمر ناهز 87 عامًا، بعد مسيرة علمية امتدت لأكثر من نصف قرن.
وقد أعلن خبر الوفاة الدكتور محمود الصاوي، الأستاذ بجامعة الأزهر، عبر حسابه الشخصي على موقع “فيسبوك”، في منشور جاء فيه:
“إنا لله وإنا إليه راجعون، نعزي أنفسنا وآل العوضي الكرام، ونحتسب عند الله تعالى فقيد مصر والعالم الإسلامي، العالم الجليل الدكتور رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، وأحد كبار الرواد الذين تركوا بصمة واضحة في الجامعات المصرية والعربية والإسلامية”.
وقد تحددت صلاة الجنازة عقب صلاة الظهر في مسجد حسن عباس الشربتلي بالقاهرة الجديدة، وسط أجواء من الحزن والأسى، حيث يتوقّع حضور حاشد من العلماء، والأساتذة، والطلاب، ومحبي الفقيد من مختلف أرجاء البلاد.
رفعت العوضي.. نشأة علمية رصينة وجذور أزهرية عريقة
وُلد الدكتور رفعت السيد العوضي في خمسينيات القرن الماضي، ونشأ في بيئة ريفية مصرية محافظة، حفرت في شخصيته معالم الانضباط والعطاء والبساطة التحق منذ نعومة أظفاره بمعاهد الأزهر، حيث حفظ القرآن الكريم وتشرّب العلوم الشرعية، قبل أن يتخصّص لاحقًا في مجال الاقتصاد بجامعة الأزهر، جامعًا بين الدراسات الشرعية والأكاديمية في آنٍ واحد.
نال العوضي درجة الدكتوراه في الاقتصاد الإسلامي في وقت كانت فيه الدراسات الاقتصادية الإسلامية لا تزال في طور النشأة الحديثة، ليصبح من أوائل من تبنّوا هذا الحقل العلمي النادر بوعيٍ وفهمٍ راسخ، مدعومٍ بمرجعية شرعية أصيلة.
وقد ساعده تكوينه العلمي المزدوج على تأسيس خطاب اقتصادي إسلامي متين، يجمع بين النظرية الاقتصادية الحديثة والمبادئ الفقهية الدقيقة، ما أهّله ليكون أستاذًا مرموقًا، ومفكرًا مرجعيًا في كل ما يتعلق بعلاقة الدين بالاقتصاد.
أستاذ أجيال وصانع مناهج الاقتصاد الإسلامي في الأزهر والجامعات العربية
على مدار أكثر من أربعة عقود، درّس الدكتور رفعت العوضي في كلية التجارة بنين بجامعة الأزهر، حيث أشرف على إعداد أجيال من الطلاب والباحثين، وساهم في تطوير مناهج الاقتصاد الإسلامي بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحديث، دون التخلي عن الأطر الشرعية التي تُشكّل جوهر هذا العلم.
وقد عُرف الفقيد بين طلابه بلقب “الأستاذ الوالد”، لما اتسم به من رحابة صدر، وتواضع جم، وحرص حقيقي على نقل العلم بصدق، حيث كان يتابع طلابه حتى بعد تخرجهم، ويوجّههم في مسيرتهم البحثية والمهنية.
كما شارك الدكتور العوضي في تأسيس أقسام الاقتصاد الإسلامي في عدد من الجامعات داخل مصر وخارجها، لا سيما في السعودية، والإمارات، والكويت، والمغرب، وماليزيا، وألقى فيها محاضراته التي جمعت بين التأصيل الشرعي والتحليل الاقتصادي الواقعي، ودرّب مئات المتخصصين على فهم الإسلام كمنظومة متكاملة تحكم حياة الفرد والمجتمع، لا كطقوس عبادية فقط.
الاقتصاد الإسلامي عند العوضي: مشروع نهضوي بديلاً عن الرأسمالية المتوحشة
لم يكن العوضي أستاذًا جامعيًا تقليديًا، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل يسعى من خلاله إلى بناء اقتصاد إسلامي بديل، يُوازن بين العدالة والكفاءة، وبين الربح والمسؤولية الاجتماعية. وقد اشتهر بمقولته:
“الاقتصاد الإسلامي ليس مجرد فقه معاملات، بل منظومة قيم تُعلي من كرامة الإنسان وتوازن بين الروح والمادة”.
رفض الدكتور العوضي ما أسماه “الاستيراد الأعمى للنماذج الغربية”، وحذّر من الرأسمالية النيوليبرالية التي تختزل الإنسان في رقم أو آلة إنتاج، كما دعا إلى ضرورة بناء نموذج إسلامي قائم على الزكاة، والوقف، والتمويل الأخلاقي، والتكافل المجتمعي.
وقدّم عددًا من الدراسات الريادية التي قارنت بين النظامين الاقتصاديين: الغربي والإسلامي، ليؤكد أن الإسلام يقدّم “رؤية إنسانية عادلة” تتجاوز الفجوات الطبقية والتضخم الأخلاقي الذي أصاب المنظومات الوضعية.
عضوية مؤثرة في مجمع البحوث الإسلامية.. وبصمة فقهية في قضايا المال المعاصرة
من أبرز محطات العوضي الفكرية عضويته في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، حيث شارك في عدد كبير من اللجان المتعلقة بـ”فقه المعاملات المالية”، و”التمويل الإسلامي”، و”القضايا الاقتصادية المعاصرة”، وكان له إسهام بارز في إصدار عدد من الفتاوى والدراسات الشرعية التي أرست قواعد العمل المصرفي الإسلامي، وساهمت في تطوير المعايير الأخلاقية في المجال المالي.
كما أسهم في تطوير الخطاب الدعوي المرتبط بقضايا المال، من خلال مقالاته وأبحاثه التي تناولت البعد الأخلاقي في الإنفاق، ومكانة العمل في الإسلام، ومسؤولية الأغنياء تجاه الفقراء، مؤكدًا أن الاقتصاد الإسلامي ليس علمًا صامتًا، بل رسالة إصلاح شامل في حياة الفرد والمجتمع.
تكريمات محلية ودولية.. ومكانة مرموقة في المجتمعات العلمية
حصل الدكتور رفعت العوضي خلال مسيرته على عدد من التكريمات والجوائز العلمية من جامعات عربية وإسلامية، كما شارك في عشرات المؤتمرات الدولية، وألقى محاضراته في المنتديات الاقتصادية الكبرى، وحظي بتقدير واسع من المؤسسات الأكاديمية والمصرفية الإسلامية.
وكانت كتبه تُدرّس في عدد من كليات الاقتصاد والشريعة، ومن أبرزها:
المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي
الزكاة ودورها في تحقيق العدالة الاجتماعية
نحو نظام اقتصادي إسلامي معاصر
التمويل الإسلامي بين النظرية والتطبيق
وقد تُرجمت بعض كتبه إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية والماليزية، ما جعله سفيرًا للفكر الاقتصادي الإسلامي في العالم.
وداع يليق بكبار العلماء.. الجنازة في مسجد الشربتلي بالقاهرة الجديدة
أُعلنت صلاة الجنازة على الفقيد اليوم السبت بعد صلاة الظهر في مسجد حسن عباس الشربتلي بالقاهرة الجديدة، وسط مشاركة كثيفة مرتقبة من أساتذة الجامعات، وقيادات الأزهر، وطلابه القدامى، والمفكرين، والإعلاميين.
وقد عجّت صفحات التواصل الاجتماعي بمنشورات الرثاء والعزاء، حيث وصفه كثيرون بـ”العلامة”، و”القدوة”، و”العالم العامل”، وأكدوا أن الأمة فقدت واحدًا من أنبل رجالاتها في الفكر والبحث والتربية.
رحيل العوضي: نهاية جسد وبداية أثر لا يموت
إن رحيل الدكتور رفعت العوضي لا يُعد فقدانًا لشخص، بل خسارة لفكر ومدرسة علمية متكاملة، قدمت للإسلام المعاصر صوتًا نقيًا يربط بين النص القرآني والمجال الاقتصادي، بين العدل المالي ومقاصد الشريعة، بين النظرية والمجتمع.
وسيظل اسمه محفورًا في عقول طلابه، وصفوف محاضراته، ومؤلفاته، وفتاويه، ومنهجه الوسطي الذي قاوم الغلو والتفريط، وقدم نموذجًا للعالم الأزهري المفكر والملتزم والمجدد.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
رحم الله الدكتور رفعت السيد العوضي، وجعل علمه في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم الأمة من بعده من يسير على طريقه، ويُكمل مسيرته في نصرة الحق والعدل في ميادين الفكر والاقتصاد.

