تقارير-و-تحقيقات

الدكتور محمد حرز يفسر سر الطواف حول الكعبة عكس اتجاه عقارب الساعة

الدكتور محمد حرز يكشف أسرار الطواف والمعاني الإيمانية

تقرير : أحمد فؤاد عثمان

في حديث عن عظمة الكعبة وأسرار الطواف، من خلال جريدة وموقع اليوم مع الدكتور محمد حرز، العالم الأزهري المتخصص في علوم الشريعة، أوضح أن الكعبة ليست مجرد بناء حجري، بل مركز إشعاع روحي ومصدر جذب إيماني للمؤمنين في أنحاء الأرض. ويضيف: “الطواف حول الكعبة ليس فقط شعيرة من شعائر الحج، بل هو رمز عميق لمعاني التوحيد والانجذاب الكلي لله تعالى”.

ومن خلال هذا التقرير نستعرض أبعاد هذا السر الروحي والكوني الذي يسكن الكعبة المشرفة، ويثير التساؤل: ما الذي يدفع ملايين القلوب للالتفاف حولها بهذا التلهف والخشوع؟

الكعبة… أول بيت وضع للناس ومهوى أفئدتهم

الكعبة الشريفة هي أول بيت وضعه الله تعالى لعباده على الأرض، وجعلها مثابةً للناس وأمنًا، كما جاء في قوله عز وجل: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ”. هي بيت الله الحرام، قبلة المسلمين في صلواتهم ومهوى أفئدتهم في مناسكهم. النظر إليها يريح القلب ويطمئن النفس، فهي المكان الذي تتجلى فيه السكينة وتتنزل فيه الرحمة.

ويوضح الدكتور محمد حرز، إن الكعبة ليست مجرد بناء، بل هي رمز للارتباط بالله، وكل ما فيها يحمل دلالات روحية، من الحجر الأسود إلى المقام، فهما كما ورد في الحديث: “الياقوتتان من الجنة طمس الله نورهما، ولو لم يطمس لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب”.

الطواف… دورة كونية تنبض بالتوحيد

الطواف حول الكعبة شعيرة أساسية في الحج والعمرة، وهو تعبير عن التوحيد الخالص لله، واستجابة للنداء الإلهي الذي وجهه الله لإبراهيم عليه السلام: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا…”. ويقول الدكتور حرز إن هذا الطواف يُعيد الإنسان إلى مركز الجذب الإيماني، مشبهًا ذلك بالحركة الدائرية للأفلاك حول مراكز الجاذبية.

ففي الطواف، يدور الحاج عكس عقارب الساعة، في حركة تعكس انضباطًا كونيًا تتماشى مع نظام الخلق، وتبقي القلب أقرب ما يكون إلى مركز البيت. ويضيف: “الطواف ليس مجرد عبادة بدنية، بل هو انسجام مع سنن الكون، وشهادة صامتة بأن الله هو المركز الذي تدور حوله القلوب المؤمنة”.

الكعبة… مركز الجاذبية الروحية للمؤمنين

الطواف يُجسد الجاذبية الروحية التي تستقطب كل مؤمن بمجرد أن تطأ قدمه أرض الحرم. فكما أن الأجرام السماوية تدور بفعل الجاذبية، كذلك تدور القلوب المؤمنة حول الكعبة بتأثير لا يُرى ولا يُفسر إلا بإيمان راسخ ومحبة خالصة. وهذه الجاذبية تنبع من كون الكعبة هي بيت الله، ووجهة القلوب في كل صلاة.

ويؤكد الدكتور محمد حرز أن هذا الانجذاب يعكس انسجامًا داخليًا بين المؤمن والكون، حيث يتحرك الإنسان من محيطه إلى مركزه، من ذاته إلى خالقه، في دورة إيمانية لا تنقطع.

الحركة المعاكسة لعقارب الساعة… سر لا يغيب

من اللافت أن الطواف يتم في عكس اتجاه عقارب الساعة، وهو الاتجاه الذي يجعل القلب أقرب إلى الكعبة في كل دورة.

وهذه الحركة ليست عشوائية، بل تعبّر عن معاني روحية وعلمية، حيث تتماشى مع دوران الكواكب حول الشمس، بل ومع الدورة الدموية داخل جسم الإنسان.

ويظهر هذا التناسق أيضًا في شعيرة السعي بين الصفا والمروة، الذي يتم من اليمين إلى اليسار بنفس النمط.

التلبية… النداء الذي صدح في الوجود

التلبية في الحج ليست مجرد كلمات، بل هي استجابة كونية لدعوة إبراهيم عليه السلام حين أُمر أن يُنادي الناس بالحج. وقد تساءل إبراهيم: كيف أبلغ الناس؟ فقال له ربه: “نادِ، وعلينا البلاغ”. فوقف على أحد جبال مكة – قيل إنه جبل أبي قبيس – ونادى: “يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه”، فسمعه من كُتب له أن يحج من الأرواح والأصلاب والأرحام، ورددوا جميعًا: “لبيك اللهم لبيك”.

ويُذكر أن أول من لبّى من الصحابة هو ثمامة بن أثال رضي الله عنه، لتبدأ التلبية رحلة إيمانية تتكرر منذ آلاف السنين، وتُعد من أفضل أعمال الحج، كما ورد عن النبي ﷺ: “أيّ الحج أفضل؟ قال: العج والثج” – والعج: هو رفع الصوت بالتلبية.

ختامًا… بيت الله لا يزال يجذب القلوب

الكعبة الشريفة ستبقى منارةً روحية للعالمين، ومهوى أفئدة المؤمنين، ومركزًا للجاذبية الربانية التي لا تفسرها علوم المادة بقدر ما تفسرها عظمة الإيمان.

وفي كل طواف، يعلن المسلمون توحيدهم، وفي كل تلبية، يلبّون نداء الخليل، ويجدّدون العهد مع خالقهم. كما قال الدكتور محمد حرز: “من لم يشعر بانجذاب قلبه نحو الكعبة عند رؤيتها، فليسأل الله أن يُحيي قلبه، فإنها قبلة الأرض كما أن العرش قبلة السماء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com