تقارير-و-تحقيقات

علي جمعة: الحمد لله ولا إله إلا الله.. مفتاحا السعادة والإيمان

 

 

تقرير :مصطفى علي

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتشتت فيه القلوب بين ضغوط الدنيا وصراعاتها، تظل كلمات الذكر هي الزاد الحقيقي الذي يربط العبد بربه، ويعيد إلى النفس صفاءها وإلى القلب طمأنينته ومن بين تلك الكلمات الخالدة، تبرز عبارتان تعدان أساس الدين وجوهر العبادة: «الحمد لله» و«لا إله إلا الله».
وفي تفسيرٍ روحانيٍّ عميقٍ لهاتين الكلمتين، تحدث الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، مبينًا أن الكلمة الأولى تُجسّد الشكر والثناء على الله تعالى، أما الثانية فهي ميثاق التوحيد الذي يدخل به العبد في رحاب الإسلام، مؤكدًا أن كلتا الكلمتين تحملان سرّ الوجود الإنساني في علاقته بالخالق جلّ شأنه.

الحمد لله.. مفتاح الشكر والثناء على الكمال الإلهي

يقول الدكتور علي جمعة إن عبارة «الحمد لله» ليست مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هي إعلان عميق بمعنى الشكر والثناء على الله تعالى لكمال صفاته وعلو شأنه. فهي تُقال تعبيرًا عن الامتنان لنعم الله، ولكنها أيضًا تقال لتمجيد الله في ذاته سبحانه، حتى دون أن يقترن ذلك بنعمة ظاهرة.
ويستشهد جمعة بقول الله تعالى:

﴿وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18]،
ليؤكد أن الحمد لا ينحصر في لحظات العطاء فقط، بل هو حالة دائمة يعيشها المؤمن في كل زمان ومكان.

الحمد.. فعل عبودية يربط بين القلب واللسان

يفسر الدكتور جمعة عمق هذه الكلمة موضحًا أن الإنسان عندما يلحظ نعمة من نعم الله عليه أو يرى منة جديدة قد أنشأها الله له، يقول «الحمد لله»، لكن في الحقيقة هذا الحمد نفسه توفيق من الله، فهو الذي ألهمك أن تحمده، وفتح قلبك لتدرك فضله.
ويضيف قائلًا: «إذا علمت أن الله هو الذي وفقك للحمد، فينبغي أن تحمد الله على أن جعلك من الحامدين، فإذا أدركت أن هذا الحمد الثاني أيضًا من توفيقه، شعرت بعجزك الكامل أمام جلال الله، وتيقّنت أنك لا تستطيع أن تشكر ربك على نعمة دون عونه وفضله».
ومن هنا، يرى جمعة أن إدراك هذا المعنى العميق يولّد في القلب خضوعًا وتواضعًا، يظهر أثره في التعامل مع الناس، فيرقّ القلب، وتحسن الأخلاق، وتزداد العلاقات بين المسلمين وُدًّا ورحمةً وإنسانيةً.

لا إله إلا الله.. ميثاق التوحيد ودستور الدخول في الإسلام

أما عن الكلمة الثانية «لا إله إلا الله»، فيصفها الدكتور علي جمعة بأنها الميثاق الأعظم بين العبد وربه، وهي الكلمة التي تُدخل الإنسان في دين الله تعالى، وتجسد حقيقة الإيمان الذي ينبني عليه الإسلام كله.
ويقول: «هذه الكلمة تعني أنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فلا حق لمخلوق، مهما بلغ من شأن أو مكانة، أن يُعبد أو يُتوجه إليه بالدعاء أو الرجاء».
ويضيف أن قول المسلم «لا إله إلا الله» ليس مجرد تكرار لفظي، بل هو إعلان التزام كامل بعقيدة التوحيد، وتجديد دائم للعهد مع الله عز وجل، كما أن ترديدها يطهّر القلب من شوائب الغفلة ويزيد الإيمان صفاءً ونورًا.

رسالة الأنبياء جميعًا: عبادة الله وحده لا شريك له

يشير الدكتور جمعة إلى أن جوهر رسالة جميع الأنبياء هو هذه الكلمة العظيمة، مؤكدًا أن الله سبحانه أرسل كل رسله لتقرير هذا المعنى، كما قال تعالى:

﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 32].
ويتابع جمعة موضحًا أن جميع الأنبياء من نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام نادوا بهذه الكلمة الخالدة التي تخلّد وحدة الرسالة الإلهية عبر العصور.
ويستشهد بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه:
«أفضل ما قلتُه أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (رواه مالك والترمذي).
وهي شهادة تُجسد وحدة الدعوة الإلهية، وتربط بين أنبياء الله جميعًا في ميثاق التوحيد الخالد.

التوحيد بين النفي والإثبات: عبادة خالصة لله

يوضح الدكتور علي جمعة أن معنى «لا إله إلا الله» يتضمن جانبين متكاملين:
الأول هو النفي، أي نفي الألوهية عن كل ما سوى الله، فلا يُتوجه بالعبادة أو الدعاء أو القصد إلى أي مخلوق.
أما الثاني فهو الإثبات، أي إثبات العبادة والقصد لله وحده دون سواه.
ويقول جمعة: «لا يكفي أن تترك عبادة غير الله، بل يجب أن تُقبل على عبادة الله حقًا، فتقيم الصلاة وتصوم وتؤدي الفروض وتعمل الصالحات، لأن التوحيد ليس امتناعًا سلبيًا، بل هو فعل إيجابي يقوم على حب الله وعبادته».

ويؤكد أن الجانب الإيجابي في التوحيد هو جوهر الدين، إذ لا يتحقق الإيمان الحقيقي إلا بالعمل الصالح الذي يُترجم هذه الكلمة إلى سلوك وحياة، فيعيش المؤمن موحدًا في أقواله وأفعاله ونياته.

الحمد والشكر والتوحيد.. علاقة تثمر تواضعًا وسكينة

يربط الدكتور علي جمعة بين الكلمتين «الحمد لله» و«لا إله إلا الله» باعتبارهما ركيزتين روحيتين تُصنع بهما شخصية المسلم الحق.
فالأولى تغرس في النفس معنى الشكر والخضوع، والثانية ترسّخ التوحيد والإخلاص، فإذا اجتمعتا في قلب المؤمن انفتحت أمامه أبواب الطمأنينة، وارتقى في درجات الإيمان.
ويضيف أن من يداوم على الحمد لله يدرك أن كل خير في حياته مصدره الله وحده، ومن يثبت على لا إله إلا الله يوقن أن لا ملجأ ولا منجى إلا إليه، وهكذا يعيش المؤمن في توازن روحي بين الاعتراف بالفضل، والالتزام بالعبودية.

الذكر طريق الصفاء.. وسرّ القرب من الله
شدّد الدكتور علي جمعة على أن هاتين الكلمتين تمثلان قمة الذكر الذي يُنقي القلب ويقرب العبد من مولاه، مشيرًا إلى أن الله تعالى يحب الذاكرين ويضاعف لهم الأجر والثواب.
وأضاف أن «الحمد لله» تفتح باب الشكر، و«لا إله إلا الله» تفتح باب التوحيد، ومن جمع بينهما فقد جمع بين أعظم مقامين في العبادة: الاعتراف بالنعم، والاعتراف بالربوبية.
وختم بقوله: «احمد الله على كل حال، ووحده في كل لحظة، تجد في قلبك نورًا لا ينطفئ، وسكينة لا تزول، لأن الله هو الحمد، وهو المعبود، وهو وحده الذي إليه المنتهى».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى