تقارير-و-تحقيقات

الزلازل آيات عظيمة من الله.. تذكير للغافلين وتحذير للمذنبين

كيف ننجو إيمانيًا من الزلازل؟ وصايا العلماء والدعاة في لحظات الخطر

في وقتٍ تتزايد فيه الكوارث الطبيعية، وتحتدم الأسئلة عن الأسباب والمعاني، تبرز الزلازل كواحدة من أعنف الظواهر التي تهز الأرض والقلوب معًا. وبين التفسيرات العلمية والقراءات الإيمانية، تظل الزلازل رسالة ربانية تحتاج إلى تأمل وتفكر.

في هذا التقرير، تستعرض جريدة وموقع “اليوم” رؤية الدين الإسلامي لظاهرة الزلازل، كما نُلقي الضوء على مواقف العلماء وفي مقدمتهم الشيخ محمد متولي الشعراوي، لنكشف كيف فهم الدين هذه الآية الكونية العظيمة، وكيف وجّه الإنسان نحو التعامل معها روحيًا ونفسيًا.

حين تهتز الأرض.. من أين يأتي الثبات؟

في مشهد رهيب، وفي لحظة لا يمكن التنبؤ بها، تهتز الأرض وتتحول البيوت الآمنة إلى أماكن رعب، وتتعالى صرخات الأطفال والشيوخ، وتضطرب القلوب وتلهج الألسنة بالدعاء. الزلازل ليست مجرد حركات أرضية، بل دروس إيمانية تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام ضعفه، وتعيده إلى أصل العلاقة بينه وبين خالقه.

ففي كل زلزال نذير، وفي كل اهتزاز دعوة، وفي كل خوف فرصة للرجوع. ومن هنا، يصبح الدعاء عند الزلازل أكثر من مجرد رد فعل، بل هو عبادة، وتضرع، وتطهير للقلب.

الزلازل في القرآن الكريم: بين إنذار ورحمة

القرآن الكريم أشار إلى الزلازل في أكثر من موضع، وربطها في كثير من الأحيان بلحظات الحشر والبعث والقيامة، مما يضفي على هذه الظاهرة رهبة خاصة في وجدان المؤمن. في سورة الزلزلة، يقول الله عز وجل:

بسم الله الرحمن الرحيم 

 “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا…”

الزلازل هنا ليست فقط مشهداً من مشاهد الآخرة، بل هي تحذير لما سيحدث، وتذكير بقوة الله، ووعد بالعدل الإلهي الذي لا مفر منه. كما يقول تعالى في سورة الحج:

بسم الله الرحمن الرحيم 

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ”

فهذه الآية تجمع بين الدعوة للتقوى، والتحذير من زلزلة قد تكون إنذارًا أو تهيئة للساعة.

الزلازل في السنة النبوية: عبادة وخشية وتوبة

لم يرد في السنة النبوية دعاء مخصوص بحدوث الزلازل، لكن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانت مليئة بالمواقف التي تظهر كيفية التعامل الإيماني مع الكوارث. فقد كانوا إذا اهتزت الأرض أو أظلمت السماء، سارعوا إلى الصلاة والدعاء والاستغفار، معتبرين أن هذه الظواهر تذكير من الله وليس مجرد أحداث طبيعية.

عن ابن عباس رضي الله عنه، قال:

“الزلازل آية من آيات الله، يخوّف الله بها عباده، فمن رأى شيئاً منها فليفر إلى ذكر الله والدعاء والاستغفار.”

الدعاء عند الزلازل.. عبادة أم رد فعل فطري؟

في أوقات الزلازل، يلجأ الناس إلى الله بالفطرة، حتى من لم يكن ملتزمًا بالدين، يشعر في تلك اللحظة أن لا ملجأ إلا الله. وهذا من دلائل صدق الفطرة الإنسانية التي تعود إلى خالقها وقت الشدة.

وقد ورد في فتاوى كبار العلماء أن من المشروع للمسلم عند حدوث الزلازل:

أن يكثر من الاستغفار.

أن يردد أذكار الكرب مثل: “لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم”.

وأن يرفع يديه قائلاً: “اللهم سلم، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”.

آراء علماء معاصرين: ما بين الغيب والسببية

رأي الشيخ الشعراوي: الزلازل رحمة تُوقظ الغافلين

الإمام محمد متولي الشعراوي، أحد أبرز علماء الأزهر في القرن العشرين، كان له رأي مؤثر وعميق حول ظاهرة الزلازل. فقد رأى أنها ليست مجرد “غضب من الله” كما يعتقد البعض، بل رحمة توقظ الإنسان من غفلته. وكان يقول:

“الزلزال مش غضب من ربنا، دي صيحة إلهية تقول للإنسان: ارجع! فوق! اتقِ الله!”

وأضاف في تفسيره أن الله لا يريد أن يُهلك الناس، بل يذكّرهم، ويمنحهم فرصة جديدة للتوبة.

وقد قال الشيخ الشعراوي عن هذه الظواهر:

“إذا ابتلاك الله بكارثة، فتذكر أنه يريد أن يسمع صوتك وأنت تدعوه، وتلجأ إليه، فهو يحب من عباده ذلك.”

ومن دعائه المشهور عند وقوع الزلازل:

 “اللهم إن كانت هذه الزلزلة غضبًا منك، فإنا نستغفرك ونتوب إليك. وإن كانت تذكيرًا، فاجعلها رحمة لا نقمة، وهداية لا فتنة.”

الشيخ الشعراوي: صوت الحكمة في لحظة الخوف

الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، العالم الذي أحبته القلوب وفهمت من خلاله معاني القرآن، كان عند الحديث عن ظاهرة الزلازل، لم يتناولها من زاوية علمية فقط، بل من زاوية إيمانية روحية، تدفع الإنسان للتفكر والمحاسبة.

وكان مما دعا به الشيخ الشعراوي عند الزلازل، ودعاؤه هذا اشتهر وانتشر بعد أن توفي، وها هو يتجدد مع كل كارثة طبيعية:

 “اللهم إن الأرض أرضك، والسماء سماؤك، ونحن عبيدك، وليس لنا من الأمر شيء. اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها نقمة، واجعلها تذكرة ولا تجعلها فتنة، ولا تهلكنا وأنت بنا راحم، يا أرحم الراحمين.”

هذا الدعاء الموجز العميق، يعبر عن جوهر موقف المسلم في الكوارث: خشوع، خوف، رجاء، وتضرع.

بين العلم والدين: هل الزلازل عقوبة أم ابتلاء؟

يرى العلماء أن الزلازل قد تكون من الابتلاءات العامة، وقد تكون إنذارًا من الله، أو حتى مجرد ظاهرة طبيعية ضمن النظام الكوني الدقيق، ولكن الإنسان المؤمن لا يمر عليه الزلزال كخبر، بل كدرس.

يقول الشيخ الشعراوي:

“الزلزال لا يُدان به أحد، لكنه رسالة للجميع: راجعوا أنفسكم، أصلحوا أعمالكم، فلا تعلمون متى يأتيكم الدور.”

في هذا المقطع المؤثر، يتناول الشيخ محمد متولي الشعراوي الحكمة من وراء الزلازل والبراكين، موضحًا أنها ليست مجرد ظواهر طبيعية، بل رسائل إلهية تذكيرية بقدرة الله وضعف الإنسان. يُبرز الشيخ كيف يمكن لهذه الأحداث أن تكون دعوة للتأمل والتقرب إلى الله لمشاهدة المقطع الكامل:

الدكتور علي جمعة – مفتي مصر السابق

قال في مقابلة تلفزيونية:

“نعم، الزلازل لها تفسير علمي، ولكن السؤال: من الذي خلق هذا القانون الجيولوجي؟ من الذي يتحكم فيه؟ من الذي يجعله يقع في وقت دون آخر؟ هنا يكون الإيمان.

وأضاف أن الظواهر الطبيعية لا تنفي كونها رسائل تربوية من الله، وأنها تفتح باب المحاسبة والإصلاح الذاتي.

منظور الإسلام للتعامل مع الزلازل: وقاية روحية ومادية

في الإسلام، لا يكفي الإيمان والتضرع فقط، بل يُحث الإنسان أيضًا على أخذ الأسباب والاحتياطات المادية. فالعلم لا يتعارض مع الدين، بل يكمله. قال عمر بن الخطاب:

لست متوكلاً من لم يجعل الحبل مع التوكل.”

فالتوعية، وتجهيز البيوت، وتدريب الناس على كيفية التصرف وقت الزلازل، كلها أمور تُعد من الدين، لأنها جزء من حماية النفس، وهي من مقاصد الشريعة.

دور الدعاء في لحظة الزلزال

الدعاء وقت الزلازل يفتح باب الأمل والسكينة، ويمنح النفس رباطة جأش لا توصف. من الأدعية المأثورة:

اللهم اجعلها رحمة لا نقمة، وسلامًا لا عذابًا.”

“اللهم الطف بنا، وارحم ضعفنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.”

“إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل.”

ما الذي يجب أن نفعله عند الزلازل؟

1. الإيمان والتضرع:

رفع اليدين بالدعاء، الاستغفار، الصلاة، والرجوع إلى الله.

2. التكافل:

مد يد العون للمتضررين، والدعاء لهم، وعدم التهاون بآلامهم.

3. التوبة:

كل لحظة ألم، فرصة للتوبة والرجوع، وتحسين العلاقة مع الله.

4. العلم والعمل:

اتخاذ الإجراءات الوقائية والتوعية، فهذا لا يتعارض مع الإيمان، بل هو من تمام الأخذ بالأسباب.

خاتمة: حين تُعلّمنا الزلازل العودة إلى الله

الزلازل لا تأتي عبثًا، ولا ترحل بلا أثر. إنها لحظة مواجهة حقيقية بين الإنسان وحقيقته، بين ضعفه وقوة الله، بين غفلته وتذكير السماء له. فلتكن كل زلزلة تمر بنا، زلزلة في القلوب أيضًا، توقظنا من سبات الغفلة، وتعيدنا إلى جادة الإيمان والعمل الصالح.

فكما قال الشعراوي:

“إذا رأيت الأرض تهتز، فاعلم أن الله يريد منك أن تهتز أنت أيضاً، ولكن لا خوفًا فقط، بل عودةً إليه.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى