تقارير-و-تحقيقات

السحر بين الحقيقة والوهم.. بين نصوص الشرع وتفسيرات العلم

تحقيق: مصطفى علي

يظل السحر واحدًا من أكثر القضايا المثيرة للجدل عبر العصور، إذ تتداخل فيه المعتقدات الدينية مع الممارسات الشعبية، ويلتبس فيه الغيب بالخرافة فمنذ فجر التاريخ، ارتبطت هذه الظاهرة بمحاولات الإنسان لفهم المجهول والتحكم في مصيره وبينما أكد الإسلام على حقيقة السحر وخطورته، فإن استغلال الدجالين والمشعوذين لحاجة الناس البسطاء جعل من هذه الظاهرة معضلة اجتماعية ممتدة، تفرض نفسها بقوة على وعي المجتمعات المعاصرة.

السحر في القرآن والسنة.. حقيقة لا تنكر

يؤكد علماء الأزهر الشريف أن السحر ليس مجرد أوهام أو خرافات، بل هو حقيقة نصّ عليها القرآن الكريم والسنة النبوية فقد قال تعالى: «وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر» [البقرة: 102]، وهو نص صريح في إثبات وجود السحر. كما حذّر النبي ﷺ منه باعتباره من الموبقات السبع، حيث قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها السحر.

ويشير الدكتور أحمد عبد الغني، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، إلى أن السحر نوعان:

1. سحر التخيل والخداع البصري: وهو ما يجعل الناس يرون شيئًا على غير حقيقته، كما حدث مع سحرة فرعون الذين خُيّل للناس أن حبالهم تسعى.

2. السحر المؤثر حقيقة: وهو ما يحدث تأثيرًا فعليًا على الأبدان أو العقول، بقدرة الله تعالى وإذنه، ابتلاءً للناس وامتحانًا لإيمانهم.

الرقية الشرعية.. العلاج المشروع للسحر

يرى علماء الشريعة أن العلاج من السحر لا يكون إلا باللجوء إلى الرقية الشرعية المبنية على القرآن الكريم والأدعية النبوية ومن أبرز ما يُقرأ في هذا السياق: سورة الفاتحة، آية الكرسي، المعوذتان، وأذكار الصباح والمساء.

ويشدد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، على أن الرقية ليست حكرًا على شيوخ بعينهم، وإنما يمكن لأي مسلم أن يقوم برقية نفسه وأسرته ويضيف أن تحويل الرقية إلى سلعة تجارية هو خروج عن مقاصد الشرع، محذرًا من استغلال حاجة الناس في أزماتهم النفسية أو الصحية.

المشعوذون والدجل.. تجارة الوهم الرائجة

ورغم وضوح موقف الدين، فإن المشعوذين والدجالين ما زالوا يجدون في المجتمعات الجاهلة أو المهمشة أرضًا خصبة لممارسة ألاعيبهم فبمجرد إصابة أسرة بمرض عضوي أو نفسي، يتجه البعض إلى “المعالج الروحاني”، الذي يفرض مبالغ مالية طائلة مقابل وصفات غامضة، من أوراق ملفوفة وأحجبة مملوءة بالطلاسم، وأحيانًا باستخدام آيات قرآنية ممزوجة برموز شركية، ليبيع لهم الوهم تحت غطاء “العلاج”.

هذه التجارة، بحسب خبراء الدين والاجتماع، تعد جريمة في حق الوعي الديني والعقلي للناس، لأنها تفتح الباب أمام استغلال الضعفاء وإغراقهم في دوامة الوهم بدلًا من التداوي الصحيح.

البعد النفسي للسحر.. منظور الطب الحديث

من الناحية العلمية، يرى عدد من الأطباء النفسيين أن كثيرًا من الحالات التي يعتقد أصحابها أنها نتيجة سحر أو مس شيطاني، ليست سوى أعراض لأمراض نفسية تحتاج إلى علاج متخصص.

ويؤكد الدكتور سامي عبد العزيز، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، أن أمراضًا مثل الاكتئاب والوسواس القهري واضطرابات الهلع، قد تجعل المريض يفسر معاناته على أنها “سحر”.
ويضيف: «المشكلة أن المريض بدلاً من التوجه إلى الطبيب، يلجأ إلى المشعوذين، فيضيع وقته وماله وتزداد حالته سوءًا».

ويتابع: «العلم لا ينكر الغيب، لكن من الضروري التمييز بين الحالات الطبية القابلة للعلاج وبين الابتلاءات الروحية الحل الأمثل يكمن في الجمع بين العلاج الديني المشروع والعلاج النفسي والعلمي».

المجتمع بين الإيمان بالخرافة والبحث عن اليقين

يرى خبراء الاجتماع أن استمرار ظاهرة السحر والدجل مرهون بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة ففي البيئات التي تعاني من ضعف التعليم وقلة الوعي الديني، يسهل انتشار الإيمان بالأعمال والطلاسم.

وتوضح الدكتورة منى حسين، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الثقافة الشعبية ما زالت تحتفظ بموروث قوي عن تأثير السحر في الزواج والرزق والصحة وتضيف: «الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام قنوات الدعم النفسي والاجتماعي تجعل الناس أكثر قابلية لتصديق الوهم، واللجوء إلى الدجالين بحثًا عن خلاص سريع».

وترى أن الحل يكمن في ثلاثة محاور أساسية:

تعزيز التوعية الدينية الصحيحة من خلال المؤسسات الدينية والإعلام.

نشر الثقافة العلمية والطبية لتصحيح المفاهيم المغلوطة.

توفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة، لحمايتهم من استغلال المشعوذين.

كيف يتحصن المسلم من السحر؟

اتفق علماء الدين على أن أفضل وسيلة للوقاية من السحر هي التحصن بالذكر والطاعة. وتشمل هذه الوسائل:

المداومة على قراءة القرآن وخاصة آية الكرسي والمعوذتين.

الالتزام بأذكار الصباح والمساء.

أداء العبادات بانتظام، مع البعد عن المعاصي.

التوكل الكامل على الله واليقين بأن الضر والنفع بيده وحده.

يبقى السحر قضية متداخلة بين الإيمان بالغيب وتفسيرات العلم، بين تعاليم الدين وممارسات الدجل، وبين حاجات الناس وضعف وعيهم فإذا كان الشرع قد أقر بحقيقة السحر وحذّر منه، فإن الحل لمواجهته لا يكمن في الخرافة ولا في الانسياق وراء المشعوذين، بل في الجمع بين العلاج الشرعي القائم على القرآن والسنة، وبين الوعي العلمي والنفسي الذي يحمي الناس من استغلال ضعاف النفوس.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com