حشمت عبد الحارث يكتب: «رمضان» مرآة الروح

حين يهل علينا هلال شهر رمضان المبارك، أشعر وكأن الزمن يتباطأ .. كأن شيئًا خفيًا يعيد الترتيب داخلي، شيئًا يربت على قلبي المتعب، ويذكرني أن هناك فرصة أخرى للعودة إلى ذاتي، إلى الصفاء الذي افتقدته بين زحام الأيام..
فهذا الشهر المبارك، ليس مجرد شهر للصيام والعبادات فحسب، بل هو نافذة أطل منها على نفسي بصدق، بلا أقنعة أو تبريرات .. أجلس مع ذاتي، أراجع ما مضى، وأتساءل: هل كنت الشخص الذي أردت أن أكونه؟ هل كنت أكثر صبرًا ورحمة؟ هل كنت أقرب إلى الله..
أتذكر جيدًا حينما كنت أجلس على شرفة غرفتي، أحدق في السماء، أبحث عن ذلك الخيط الرفيع من النور .. _هلال رمضان_ الذي اعتدت أن أراقبه منذ طفولتي، وحين ألمحه أخيرًا، أشعر بشيء غريب يسري في داخلي.. كأن الزمن تباطأ للحظة، وكأنني أسمع همسًا خفيًا يربت على قلبي، يخبرني أن هناك فرصة جديدة، بداية أخرى، وبابًا مفتوحًا نحو الصفاء والعفو والرحمة والسكينه الذي أفتقدها وسط زحام الأيام..
ومع مرور الأيام، بدأت أرى رمضان بصورة مختلفة .. لم أعد أراه مجرد شهر للصيام والصلاة، بل تحول إلى مرآة، تعكس أمامي وجهي الحقيقي، بعيدًا عن أي أقنعة أرتديها في حياتي اليومية، كنت أراجع أيامي الماضية، أتساءل: هل كنت منصفًا وصادقا مع نفسي؟ هل منحت من حولي الحب والرحمة التي يستحقونها؟ هل كنت صادقًا في سعيي لأن أكون إنسانًا أفضل؟
أتذكر أيضًا في كل رمضان سابق، كنت أجد دائمًا هدوء وسكينه لم أعتدها في أيام أُخر، كأن الصمت يصبح أعمق، وكأن الجوع والعطش ليسا مجرد حرمان، بل وسيلة لإدراك ما لم أكن أراه، وفي لحظات التعب قبل المغرب، عندما يبدأ الإرهاق في التسرب إلى الجسد، أدرك المعنى الحقيقي للصبر، وأشعر بالامتنان لكل لقمة طعام كنت أتناولها بلا تفكير..
وفي لياليه، حين يتلو الإمام آيات القرآن في التراويح، وتمتزج أصوات التكبير مع نبضات القلب، كنت أقف بين الصفوف، أستمع إلى الإمام وهو يتلو آيات القرآن، وكأن كل حرف منها يأتي ليخصني وحدي .. أشعر وكأن كلمات الآيات القرآنية تخترقني، تهزني، تهمس لي بأنني ما زلت قادرًا على التغيير، على أن أكون شخصًا أفضل، أكثر نقاءً، وأقرب إلى الله..
«رمضان»، ليس مجرد أيام تمضي، بل هو مرآة تعكس حقيقتي، تكشف ضعفي وقوتي، وتذكرني انا وغيري، بأن الفرصة لا تزال قائمة.. فرصة أن أكون أنا، في أصدق حالاتي.




