الصلاة بين مشاغل الحياة ومواقيت الطاعة.. متى يُقبل الجمع؟ ومتى يكون القضاء؟

تقرير:مصطفى على
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة اليومية، ويجد كثيرون أنفسهم محاصرين بين ضغوط العمل ومسؤوليات المعيشة، يطرح البعض سؤالًا محيرًا: ماذا إذا اضطرني العمل إلى تأخير الصلاة أو ترك بعض الفروض اليومية؟
هذا السؤال كان محور فتوى أجاب عنها الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عبر مداخلة تليفزيونية تناولت واحدة من أكثر القضايا الدينية إلحاحًا في الواقع المعاصر، وهي أداء الصلوات في غير وقتها بسبب ظروف العمل أو الانشغال.
لا تسأل عن العقوبة… بل ابحث عن التوبة
بدأ الشيخ أحمد وسام إجابته برد يحمل طابعًا تربويًا وأخلاقيًا، حيث نبّه السائل إلى أن السؤال عن العقوبة لا ينبغي أن يكون أول ما يشغل بال المسلم حين يقصّر في أداء فريضة عظيمة كالصلاة، بل عليه أن يبدأ بـالسؤال عن التوبة والعودة إلى رحاب الله سبحانه وتعالى.
وقال وسام:
“الأولى ألا نسأل: ما العقوبة؟ بل الأجدر أن نبحث عن سبيل التوبة، وكيف نرجع إلى الله بصدق، فهذا هو مفتاح القبول”.
وهذا التوجه التربوي يعكس روح الشريعة الإسلامية التي تقدم باب الرحمة قبل الزجر، والتوبة قبل العقوبة، وتحث على إصلاح الحال دون الدخول في دوامة الخوف من العقاب، خاصة إذا كان التقصير لعذر.
الصلاة فريضة موقوتة… ووقتها له قدسية
انتقل الشيخ وسام بعد ذلك إلى التأصيل الشرعي لمسألة توقيت الصلاة، مذكرًا بأن أداء الصلاة في وقتها هو الأصل، ولا يجوز التهاون فيه بغير عذر معتبر.
واستشهد بقوله تعالى:
“إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا” [النساء: 103]
وهو نص صريح يدل على أن الله جعل لكل صلاة وقتًا معلومًا لا يجوز تجاوزه بلا مبرر شرعي.
وأشار أيضًا إلى أن سيدنا جبريل عليه السلام نزل على النبي ﷺ مرتين، مرة في أول وقت الصلاة، ومرة في آخره، ليعلّمه أن الوقت يمتد بين هذين الحدين، وهو ما يفيد المرونة داخل نطاق الوقت، لكن لا يخرج عنه.
الجمع بين الصلوات: متى يجوز؟ وكيف يكون؟
وحول الجمع بين الصلوات، بيّن الشيخ أحمد وسام أنه جائز في بعض الحالات، إذا كان العذر معتبرًا شرعًا، كالسفر، المرض، أو الانشغال الضروري الذي لا يمكن تركه، كعمل يستحيل فيه أداء الصلاة منفردة في وقتها.
وأوضح أنه يمكن الجمع بين:
الظهر والعصر
المغرب والعشاء
وذلك على سبيل جمع تقديم أو تأخير، وفق الحاجة.
أما الجمع بين الفجر والظهر، أو العصر والمغرب، فلا أصل له في الشريعة الإسلامية، وبالتالي لا يجوز العمل به، حتى في أوقات الضرورة.
وقال وسام:
“الشريعة فيها تيسير، لكن بحدود وضوابط، والجمع رخصة مشروعة لكنها ليست عبثًا، بل ترتبط بحالات الضرورة والضيق الحقيقي”.
عند العذر… القضاء واجب ولا إثم
وفي حال تعذر أداء الصلاة في وقتها، ولم يتمكن المسلم حتى من الجمع بين الصلوات بسبب عذر قهري، أكد الشيخ وسام أن القضاء يصبح واجبًا، على أن يتم فور تيسير الظروف، دون تسويف أو تأخير متعمد.
وشدد على أن العذر إذا كان حقيقيًا ومقبولًا شرعًا، فإن المسلم لا يأثم بتركه للصلاة، مستندًا إلى قوله تعالى:
“لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” [البقرة: 286]
هذا المبدأ هو إحدى ركائز الفقه الإسلامي، ويعني أن الله لا يؤاخذ الإنسان بما يعجز عنه، وإنما يحاسبه وفق طاقته وقدرته، وهو ما يفتح باب الطمأنينة للذين يعانون من ضغوط خارجة عن إرادتهم.
الصلاة بوابة الرحمة لا العقوبة
في نهاية حديثه، دعا الشيخ أحمد وسام كل مسلم إلى عدم التهاون في شأن الصلاة، ولكن أيضًا عدم اليأس أو الاستسلام للذنب إذا حدث تقصير.
فالباب مفتوح دائمًا أمام التوبة، والصلاة يمكن استدراكها بالقضاء إذا فاتت بعذر، ويمكن الجمع بينها في أوقات الضرورة.
وختم بقوله:
“من ترك الصلاة بعذر فلا إثم عليه، لكن عليه أن يسارع بالقضاء، ويجعل من الصلاة صلة دائمة بينه وبين ربه، لا عبئًا يُؤجل، بل نبعًا يستمد منه الراحة والسكينة”.
