الرئيسيةعرب-وعالم

الصين والولايات المتحدة1… منافسة الندين بعد أن أصبحا شريكين

بين واشنطن وبكين (2)

تقرير: مروة محي الدين

في تغير محوري لشكل الصراع بين القوتين الكبرتين، بدا واضحًا هدوء نبرة الخطاب بين واشنطن وبكين، في أخر لقاءات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، مع برنامج 60 دقيقة، وذلك عقب أيام من لقاءه الرئيس الصيني “شي جين بينج”، في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية، والحديث عن صفقة لمدة عام واحد لتصدير المعادن، تمثل هدنة تجارية لكلتيهما، تسهم في تحسين العلاقات بين البلدين.

اتفاق المعادن النادرة… هدنة أم إنهاء لحرب تجارية ممتدة لسنوات

ومع تأكيده في لقاءه التليفزيوني على انتهاج سياسة النفس الطويل، التي يتبعها الصينيون، ركز الرئيس الأمريكي على عدة موضوعات، تجمع بين البلدين هي: الحرب التجارية بينهما والتعريفة الجمركية، والتقنيات الحساسة- الرقائق والعناصر الأرضية النادرة.

ولتحري حقيقة سلسلة التصريحات، التي أطلقها “ترامب”، عرضنا رؤاه على الصحفية الصينية المتخصصة في الشأن الاقتصادي “سعاد باي شين هوا”، في مناظرة افتراضية لم يقابل أحدهما فيها الآخر، لكنها فندت حديثه وطروحاته في تصريحات تفصيلية أدلت بها لموقع اليوم، نسرد مجملها لكم في السطور التالية:

تعايش تنافسي

ألقت “سعاد” الضوء على أبعاد الصراع بين القوتين العظمتين، وبداية احتدام المواقف بينهما، فقالت: “تطوّرت العلاقات بين بكين وواشنطن، من مستوى الاحتكاك التجاري إلى منافسة إستراتيجية شاملة، تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية وصياغة القواعد الدولية، لكنها لم ترقَ إلى مستوى الحرب الباردة، بل باتت تأخذ شكل التعايش التنافسي؛

ومنذ اندلاع الحرب التجارية  بين البلدين عام 2018، اتسعت أدوات الضغط من الرسوم الجمركية إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، والقيود التكنولوجية، ومعارك النفوذ في المؤسسات الدولية”.

ولفتت إلى التداخل العميق بين الاقتصادين الأمريكي والصيني، عكس ما حدث بين واشنطن وموسكو إبان الحرب الباردة، من انفصال اقتصادي كامل، “وفيما تعتمد الشركات الأمريكية على السوق الصينية، تحتاج الصناعات الصينية إلى التقنيات الأمريكية المتقدمة، كما أنّ التنافس الحالي بينهما ليس صراعاً أيديولوجياً صارماً، بل صراع مصالح إستراتيجية، في وقت، تتبنى فيه معظم القوى الدولية سياسة الموازنة بدلاً من الاصطفاف”.

وعلى الرغم من التهدئة الجزئية بعد قمة الصين والولايات المتحدة، التي عقدت في بوسان بكوريا الجنوبية، أكتوبر 2025، وما ترتب عليها من تخفيض القيود، حيث ألغت واشنطن جزءاً من الرسوم الجمركية، وعدلت بكين إجراءاتها الردعية، لم تتغير البنية الأساسية للمنافسة- حسب تصريحات الصحفية الصينية.

وعن الوضع القائم بين البلدين اليوم، قالت: “دخلت العلاقات الثنائية الصينية الأمريكية اليوم مرحلة التعايش التنافسي، حيث يجري تصعيد حاد في مجالات مثل: التكنولوجيا والاقتصاد، يقابله تعاون محدود في قضايا عالمية، مثل: المناخ والصحة؛ إلى جانب بناء آليات لإدارة الأزمات، بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، كما انتقل النهج الأمريكي من الضغط الأيديولوجي إلى دبلوماسية أكثر نفعية، ذات طابع تبادلي، فيما تعمل الصين على تعزيز استقلالها التكنولوجي وتوسيع شراكاتها مع دول الجنوب العالمي”.

وأضافت: “تتسم المنافسة الحالية بتعدد الأبعاد، والاعتماد المتبادل يصعّب فكرة الفصل الكامل، كما تتسم بطبيعة اللعبة الإستراتيجية، التي يوازن فيها الطرفان بين الردع والتفاوض؛ ومن المتوقع أن تشتد المنافسة- في المستقبل- مع تراجع الفجوة في القوة بين البلدين، لكن من المرجح أن تبقى ضمن إطار الخصومة غير الانفجارية، بما يدفع إلى تشكيل نمط جديد من العلاقات الدولية، لا هو تحالف ولا هو عداء صريح”.

الحرب التجارية والتعريفة

في البرنامج، أشار “ترامب” لحصوله على كل ما أراد من الصفقة مع الصين، وعلى رأسها إزالة التهديد بخصوص العناصر الأرضية النادرة تماماً، كما أنه بفضل التعريفات الجمركية الكبيرة التي تصل إلى 150% تقريباً، أضحت الولايات المتحدة تجني مليارات الدولارات، وذلك بعد سنوات من المكاسب التي جنتها بكين من واشنطن، ويمكن تقديرها بتريليونات الدولارات، بينما انعكس الوضع الآن، كما حصل على علاقات جيدة جدا مع دولة عظمى، تعمل خلالها البلدان معا من الآن فصاعدًا.

كما أكد أن مسألة الحرب التجارية بينهما سببت ضررًا مؤقتا للمزارعين الأمريكيين، الذين يزرعون فول الصويا، وهو ما سينتهى قريبا، مع حصوله على أموالا كثيرة من الصين، حيث عمل ضدها بشكل جيد، فكان لزامًا عليه أن يحاربها، وأنا ما يحدث هو تأثير تراكمي، ومن هنا ​استخدمت بكين أوراق قوتها، مثل: العناصر الأرضية النادرة، للضغط ضد الولايات المتحدة، ورد هو عليها باستخدام أوراقاً أخرى، مثل: حجب قطع غيار طائرات (بوينج- Boeing) عنها، بما وصل لفرض تعريفات جمركية تصل إلى 100% على كل ما تبيعه لنا.

حتى جلسوا معه على طاولة المفاوضات، في كوريا الجنوبية كما شاهد العالم أجمع، وأوضح أنه اتفق معهم على صفقة جيدة للغاية، معربًا عن تطلعه أن تكون في مصلحة كلا الطرفين، وبموجبها يحصل منهم على مئات الملايين من الدولارات، في صورة التعريفات الجمركية، التي تعد مسألة أمن قومي وثروة عظيمة، وارتفع بفاعلية التعريفات الجمركية التي فرضها عليهم، ورآها عنصر الحسم الذي بدون لم يكن ليحصل على هذا الامتياز.

 

حاجة مشتركة للطرفين

ردت “سعاد” على حديث “ترامب”، بالتأكيد على أنه: “تبسيط للحقيقة، حيث فرضت الحاجة المتبادلة لدى الطرفين ذلك، في سياق المنافسة التجارية بينهما:

من الجانب الأمريكي: وصلت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى حدها الأقصى، وأدت إلى حدوث تضخم محلي، كما أن الشركات الصغيرة داخل الولايات المتحدة كانت على وشك الإغلاق، ولعل خفض الإدارة الأمريكية متوسط التعريفات الجمركية مؤخرًا، من 145% إلى 80%، خير دليل على حاجتها إلى التفاوض لتخفيف الضغوط الاقتصادية المحلية.

من الجانب الصيني: نجحت الصين في تقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، من خلال تنمية أسواق التصدير، مثل: النمو الملحوظ في الصادرات إلى دول الآسيان وأفريقيا، كما تمتلك أوراق ضغط رئيسية مثل المعادن النادرة، كما أنها تمسكت بمبدأ المساواة والمنفعة المتبادلة، وطالبت الولايات المتحدة بإلغاء كافة التعريفات الجمركية الأحادية الجانب”.

وأضافت: “الاتفاق في جوهره خيارًا عقلانيًا، في ظل وضع خسارة للطرفين، لتبدأ مرحلة جديدة من المنافسة الطويلة بين القوتين العظمتين، تتسم بالقتال والمفاوضة في آن واحد”.

الرقائق والعناصر النادرة

في المقابلة، تطرق “ترامب” لمسألة اعتماد الولايات المتحدة على الصين، في الحصول على المعادن النادرة، وذلك بنسبة تصل إلى 90%، فأعلن عن برنامج طوارئ لجعل الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً منها، خلال عام إلى عام ونصف تقريباً من الآن.

ولتحقيق ذلك يبذل جهودنا حثيثة للتعاون مع شركاء عالميين مثل اليابان، أستراليا، والمملكة المتحدة. ذلك أن التهديد الصيني ليس موجهًا للولايات المتحدة وحدها، بل إلى العالم أجمع، ومن هنا دعى العالم كله للعمل معه.

و​أكد أنه لن يسمح لشركات، مثل: نفيديا- Nvidia، ببيع أشد الرقائق تطوراً للصين، التي تريد بشدة الحصول عليها، حيث لن يسمح لأحد بالحصول على مثل تلك الرقائق سوى الولايات المتحدة، وذلك لمنع بكين من الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي- Artificial Intelligente، فالفوز به يجب أن يكون من نصيب واشنطن وحدها.

ولفت إلى أنه في غضون عامين، يمكن لواشنطن أن تستحوذ على 40% إلى 50% من سوق الرقائق، إذ تغادر أكبر شركات الرقائق تايوان، إلى بلده بسبب التعريفات، وبدون التعريفات لم يكونوا ليفعلوا ذلك.

ضجيج سياسي

ردت “سعاد” على ما أطلقه الرئيس الأمريكي حول الرقائق الأكثر تطورًا، فقالت: “يبدو أن طموح ترامب لإعادة فرض هيمنة أمريكية على صناعة الرقائق يحمل الكثير من الضجيج السياسي، لكنه يصطدم بحدود الواقع، فخطته تعتمد على: رسوم جمركية هائلة قد تصل إلى 300%، وقيود تقنية شاملة، وضغوط على الحلفاء لإجبارهم على الانضمام إلى معسكر فك الارتباط مع الصين، كما يسعى إلى دفع عمالقة الصناعة- مثل TSMC وسامسونج- لبناء سلاسل إنتاج كاملة داخل الولايات المتحدة، مع محاولة فرض نظام ترخيص عالمي، يتحكم في أي منتج يحتوي على تقنية أمريكية؛ والهدف واضح وهو: إعادة مركز الثقل التكنولوجي إلى واشنطن”.

وتابعت: “لكن الحقائق الاقتصادية أكثر صلابة من الشعارات السياسية، فكلفة التصنيع داخل الولايات المتحدة أعلى بنحو 50% منها شرق آسيا، أما الرسوم الجمركية المفرطة فسترفع أسعار الإلكترونيات، وتضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة عالمياً؛ وفي الوقت ذاته، لا يتبنى الحلفاء رؤية الناتو التكنولوجي بالكامل، فالاتحاد الأوروبي يمضي في خطته المستقلة، وكوريا الجنوبية واليابان تتصرفان ببراجماتية، بينما توزّع TSMC استثماراتها عالمياً لتقليل المخاطر؛ وعلى الجانب الآخر، تسرّع الصين خطواتها نحو الاكتفاء الذاتي، لترفع معدل التصنيع المحلي، وتبني منظومة متكاملة من التصميم إلى التغليف”.

وأضافت: “اليوم، تتجه صناعة الرقائق نحو تعددية قطبية إقليمية، بعيدة عن أي احتكار أحادي؛ قد تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها في التصميم والمعدات المتقدمة، لكنها لن تتمكن من السيطرة على السلسلة العالمية بأكملها؛ وفي هذا المشهد المتغيّر، تحتاج الشركات إلى تنويع انتشارها الجغرافي، وتخفيف المخاطر الجيوسياسية، والاعتماد على الابتكار، لزيادة قدرتها على البقاء، فذلك هو السبيل الحقيقي للتعامل مع الهيمنة التكنولوجية”.

التقارب الظاهري بين القوتين العظمتين، يحمل الكثير من المنافسة والتباين، وكل طرف فيهما يسعى للوصول لأعلى مكاسب، تحقق صالحه الوطني، الذي يختلف كل منهما في رؤيته للآخر، لذا لم تقف أبعاد القضية عند التكنولوجيا والاستيراد والتصدير، بل امتدت لتشمل مناحي أمنية وسياسية، نطرحها في الحلقة القادمة من الموضوع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى