“العقارات الآيلة للسقوط”.. قرارات على الورق وأرواح تحت أنقاض الفساد

تقرير – آيــة زكـي
لم تمر أيام على فاجعة انهيار عقار السيدة زينب حتى تكررت المأساة بانهيار عقارين آخرين في حدائق القبة، لتكشف تلك الحوادث المتتالية عن خلل عميق في أداء الأجهزة المحلية، وغياب المتابعة والرقابة رغم التحذيرات المسبقة، ما أدى إلى سقوط ضحايا جدد ودفع المواطنين ثمن إهمال بات ممنهجًا في بعض أحياء العاصمة، خاصة الأحياء القديمة والمناطق العشوائية.
عقار السيدة زينب “ضحايا بين الأنقاض”
في صباح الأربعاء الماضي، استيقظ سكان منطقة السيدة زينب على فاجعة انهيار عقار مكون من خمسة طوابق، راح ضحيته 8 مواطنين، وأُصيب 5 آخرون، وسط حالة من الذعر بين السكان. النيابة العامة أمرت بسرعة تشكيل لجنة هندسية من الحي للوقوف على أسباب الانهيار، وتحقيق موسع لكشف المسئولين عن الكارثة.
وأكد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة ، أن العقار المنهار صادر له قرار إخلاء مسبق منذ فترة، بعد رصد حالته المتدهورة، إلا أن 5 أسر فقط من أصل 10 وحدات سكنية استجابت للقرار، مما خفف عدد الضحايا إلى حد ما، لكنه لم يمنع الكارثة.
وأضاف صابر أن العقار تم بناؤه عام 1951، وكان من الضروري إخلاؤه بشكل كامل وتنفيذ الإزالة في الوقت المناسب، مشيرًا إلى أن هناك لجنة هندسية تعمل حاليًا على فحص العقار والتحقيق في أوجه القصور.
كارثة متكررة في حدائق القبة
وبعد يومين فقط من حادث السيدة زينب، انهار عقاران متجاوران في شارع طور سينا بمنطقة حدائق القبة، الأمر الذي فتح النار على أداء حي حدائق القبة وإدارته الهندسية، خاصة بعد أن كشفت مصادر رسمية عن تلقي الحي إشارات وتحذيرات موثقة قبل أكثر من 45 يومًا من الانهيار.
وقال مصدر مسئول بمحافظة القاهرة، إن إدارة الإسكان بالحي وجهت إخطارًا رسميًا إلى ملاك العقارات المنهارة، تطالبهم بإعداد تقارير هندسية حول السلامة الإنشائية، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات فعلية على الأرض، ولم تتابع مديرة الإسكان أو مدير التنظيم تنفيذ تلك التعليمات.
وأضاف المصدر في تصريحات لـ “اليوم“، ما حدث تقصير فج من الإدارة المحلية، فالعقارات قديمة ومبنية قبل عام 1960، ومدرجة بالفعل ضمن قائمة العقارات الآيلة للسقوط، وكان يجب مراقبتها بشكل استثنائي، لكن لم يحدث شيء حتى انهارت وسقط ضحايا جدد تحت الأنقاض.
لجان حصر عاجزة وقرارات حبر على ورق
ورغم أن وزارة التنمية المحلية وجهت بتشكيل لجان لحصر العقارات الآيلة للسقوط بكل حي ومحافظة، تضم ممثلين من الإسكان والتخطيط العمراني والإدارات الهندسية، فإن تلك اللجان -بحسب متابعين- لا تقوم بدورها على الوجه الأكمل، وغالبًا ما تصدر قرارات بالإزالة أو الترميم دون تنفيذ حقيقي.
ومن جانبه، قال الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المستدامة و تطوير العشوائيات، أن كارثة حدائق القبة والسيدة زينب نتيجة مباشرة لضعف منظومة السلامة الإنشائية وغياب المتابعة، مطالبًا بإعادة هيكلة لجان الحصر والمراقبة ومساءلة المقصرين بشكل عاجل.
وأوضح حسان في تصريحات خاصة لـ” اليوم “، لدينا أكثر من 20 ألف عقار آيل للسقوط على مستوى الجمهورية، بعضهم مأهول بالسكان رغم صدور قرارات إزالة منذ سنوات، لكن غياب التنفيذ والروتين وتضارب الجهات يحول القرارات إلى أوراق مهملة، حتى تقع الكارثة.
وأكد خبير التنمية المستدامة و تطوير العشوائيات، أن السبب الرئيسي وراء تكرار حوادث انهيار العقارات القديمة، سواء في السيدة زينب أو حدائق القبة، يعود إلى ضعف الهيكل الهندسي بالإدارات المحلية، وقلة عدد المهندسين المتخصصين المؤهلين لمتابعة هذا الكم الهائل من المباني الآيلة للسقوط، لافتًا، إلى أن لا يمكن أن نحمل المواطن وحده مسؤولية الكارثة، في الوقت الذي تدار فيه إدارات الإسكان بالمحليات بعدد محدود من المهندسين، غير قادرين على مواكبة حجم الملفات، ولا توجد منظومة رقابة فعالة تتابع بشكل يومي حالة العقارات المتقادمة.
وأشار حسان، إلى أن بعض المهندسين في المحليات مسؤولون عن آلاف العقارات، ما يجعل المتابعة مستحيلة، في ظل غياب التنسيق بين الحي والجهات الفنية، وعدم تفعيل لجان الحصر بشكل مستمر، رغم ما نص عليه قانون البناء الموحد، مشددًا أن لن تتوقف الكوارث إلا بإعادة هيكلة منظومة الإدارة الهندسية بالمحليات، وزيادة عدد المهندسين، وتوفير صلاحيات فعلية وشفافة لتنفيذ قرارات السلامة، قبل أن تتحول أحياء القاهرة إلى مقابر جماعية.
وبحسب المادة (7) من قانون التصالح الجديد رقم 187 لسنة 2023، لا يجوز التصالح على أي بناء مخالف إلا بعد تقديم تقرير هندسي يؤكد سلامته الإنشائية، لكن هذا النص القانوني يُطبق غالبًا في الملفات الإدارية فقط، دون أن ينعكس على أرض الواقع بآلية وقائية للمباني القديمة.
غياب المساءلة والمواطن الضحية
ورغم فداحة الكارثة وتكرار السيناريو، لم يصدر حي حدائق القبة أي بيان رسمي يوضح حجم التقصير أو يحاسب المسئولين عن الحادث، فيما أخلت الجهات المعنية 4 عقارات مجاورة للعقارين المنهارين كإجراء احترازي، بعد فوات الأوان.




