تقارير-و-تحقيقات

الفتوى تحسم الجدل بشأن تحديد نوع الجنين قبل الحمل

 

 

 

كتب:مصطفى على

 

في ظل التطور المتسارع للوسائل الطبية الحديثة، التي باتت تتيح للأزواج التدخل في تحديد نوع الجنين، تزايدت التساؤلات الشرعية والأخلاقية حول جواز هذا التدخل، ومدى توافقه مع مبادئ الشريعة الإسلامية وفي هذا السياق، خرجت دار الإفتاء المصرية برؤية فقهية واضحة ومفصّلة، حددت من خلالها موقف الإسلام من هذه الممارسات الطبية، مؤكدة أنها جائزة بشرط الالتزام بضوابط محددة تضمن سلامة المعتقد، واحترام قدسية العلاقة الزوجية.

فتوى رسمية: لا حرج في اختيار جنس الجنين داخل الإطار الشرعي

أكد الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن تحديد نوع الجنين جائز من الناحية الشرعية، لكن بشرط أن يتم ذلك داخل الإطار الصحيح للعلاقة الزوجية، أي أن تكون البويضة من الزوجة والحيوان المنوي من الزوج، دون أي تدخل خارجي يخلّ بالخصوصية أو يفتح باب الفساد الأخلاقي أو الخلط غير المشروع في الأنساب.

وأضاف أن الشريعة الإسلامية لا تمانع في استخدام الوسائل العلمية إذا كانت تخدم مصلحة مشروعة، شريطة ألا تتعارض مع الأصول العقدية أو المبادئ الأخلاقية التي أرساها الدين، مؤكدًا أن اختيار جنس الجنين بهذا الأسلوب لا يُعد مخالفة لإرادة الله، طالما أن الإنسان يستخدم ما أتاحه له الله من أسباب في إطارها المشروع.

بين الرغبة الفردية والسياسة السكانية.. ضوابط شرعية لعدم الانحراف

وشدد أمين الفتوى على أن هذا النوع من الاختيار يظل في نطاق الاختيارات الفردية، ولا يجوز تحويله إلى سياسة مجتمعية أو فرضه على الأسر من قبل الدولة أو المؤسسات، مشيرًا إلى أن ذلك يُعد تجاوزًا للسنن الإلهية في الخلق والتكوين، وهو ما لا يجوز شرعًا.

ولفت إلى أن هناك فرقًا جوهريًا في الشريعة بين الأحكام الخاصة بالأفراد وتلك التي تتعلق بالمجتمع، مستشهدًا بمثال الأذان الذي هو سنة فردية وليس فرضًا جماعيًا، على الرغم من أنه شعيرة ظاهرة. وبهذا المعنى، فإن اختيار الجنس شأن شخصي لا يجوز فرضه أو الترويج له على مستوى جماعي.

الحاجة الطبية تبرر التدخل.. والرغبة المجردة لا تكفي دائمًا

في تفصيل الفتوى، أوضح الشيخ محمد كمال أن اللجوء إلى تحديد جنس الجنين يُفضَّل أن يكون مدفوعًا بحاجة طبية، كوجود أمراض وراثية مرتبطة بجنس معين، أو مشكلات تمنع الزوجين من إنجاب نوع معين طبيعيًا.
أما إذا كان الأمر مجرد رغبة أو تفضيل شخصي دون ضرورة أو مبرر طبي، فإن الفتوى تُقر بجوازه مع التحفّظ، نظرًا إلى ما قد يترتب عليه من آثار اجتماعية أو أخلاقية على المدى الطويل.

وأشار إلى أن إجراء هذه العمليات ينبغي أن يُنظر إليه أيضًا من زاوية التكلفة، إذ إن هذه التقنيات باهظة الثمن وليست في متناول الجميع، ومن غير المنطقي أن تصبح ظاهرة عامة أو موضة مجتمعية.

ليس منافاة للقدر.. بل توظيف للعلم في خدمة الإنسان

وحسم أمين الفتوى مسألة التوفيق بين الإيمان بالقدر والتدخل البشري في اختيار الجنس، مؤكدًا أن القدر لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب، وأن كل ما يحدث في الكون يقع بعلم الله وإرادته، حتى ما نظنه من صنع الإنسان.

وقال الشيخ كمال: “الحمل والولادة وكل ما يتعلّق بالخلق هو بيد الله وحده، أما تدخل الإنسان فهو جزء من استخدامه لما وهبه الله من أدوات علمية ومعرفية تساعده في تيسير أموره، ولا تعني أنه ينازع الله في الخلق، بل يتبع قوانينه وسننه في الكون.”

تحذير من انزلاق أخلاقي أو اختلال اجتماعي

رغم إجازة هذه الممارسة ضمن الإطار الشرعي، إلا أن دار الإفتاء المصرية حذّرت من تحوّلها إلى سلوك عام غير منضبط، يمكن أن يؤدي إلى اختلال في التوازن السكاني بين الذكور والإناث، كما حدث في بعض الدول التي شهدت حملات مجتمعية لتفضيل جنس الذكور على الإناث، مما أفضى إلى أزمات اجتماعية حادة.

ودعت الفتوى إلى ضرورة ضبط الخطاب الإعلامي والطبي عند تناول هذا الموضوع، وألا يُروّج له على أنه حل مثالي أو ترف طبي، بل كوسيلة تُستخدم عند الحاجة وبحكمة شرعية وطبية.

خلاصة فقهية: بين الجواز والضرورة والمسؤولية

اختتمت دار الإفتاء المصرية فتواها بالتأكيد على أن تحديد نوع الجنين جائز شرعًا بشروط ثلاثة رئيسية:

1. أن يكون داخل إطار العلاقة الزوجية الشرعية، ولا يحدث فيه خلط في الأنساب.

2. أن تكون هناك ضرورة طبية حقيقية، أو على الأقل رغبة شخصية مشروعة.

3. ألا يتحول إلى سلوك جماعي أو أداة ضغط اجتماعي تفرضها الثقافة أو المؤسسات.

 

وأكدت الدار أن الشريعة لا تُعارض العلم، بل تُشجّع عليه، ما دام منضبطًا بالقيم والأخلاق والضوابط الإيمانية، وأن الإنسان مؤتمن على قراراته في حدود الشرع، مع تذكيره بأن الخلق أولًا وآخرًا هو بيد الله وحده.

يبدو أن الإسلام، كدين واقعي متوازن، لا يضع حواجز أمام استخدام العلم والتقنية، لكنه في الوقت ذاته يُحاطها بأسوار من القيم والضوابط الأخلاقية التي تضمن ألا تنحرف عن جادّة الحق، حفاظًا على توازن المجتمع، وقدسية الخلق، وسلامة النية في تعمير الأرض لا التحكم في إرادة السماء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى