تقارير-و-تحقيقات

«الكلمة مسؤولية».. كيف يضع الدين والقانون والنفس حدودا للحديث على “السوشيال ميديا”؟

خبراء: الكلمة قد تُشعل فتنة أو تُطفئها.. والسوشيال ميديا تحتاج إلى ضوابط أخلاقية وتشريعية

تقرير – محمود عرفات

أصبحت السوشيال ميديا اليوم جزءًا من حياتنا اليومية، حيث لا يخلو أي بيت منه، فلقد صار مساحة واسعة للتعبير، ومناقشة الأفكار، والتفاعل مع الآخرين، بجانب اتخاذها وسيلة لتسويق بعض الأعمال التجارية، لكن مع توغل الناس داخل هذا الفضاء الواسع خلّف وراءه مساحة حرة، صارت ناقوس خطر يتزايد يوما عن يوم، حيث أصبح الناس سواسية، دونما اعتبار لسن أو درجة علمية، وأضحت المناقشات بعيدة عن المنفعة والوصول إلى حل سليم، بل معركة عنوانها “قصف جبهة” ليس لها قواعد، إذ نشأ في ظلالها التنمر والإساءات وتعمد الكذب والتقليل من الآخرين.

في هذا التقرير يفتح موقع وجريدة “اليوم” هذا الملف من ناحية النفس والإعلام الرقمي والدين والقانون.

من جانبه قالت الدكتورة عبير الصاوي أستاذة علم النفس الاجتماعي إن ظاهرة الانفلات في السوشيال ميديا تعود إلى ما يُعرف بـ”التباعد النفسي الرقمي، موضحة أن غياب الوجوه وردود الأفعال المباشرة يجعل البعض أكثر اندفاعًا وعدوانية في التعبير، خاصة مع شعور زائف بالحماية خلف الشاشة.

وأكدت في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن خطورة هذه المشكلة أنها لا تؤثر فقط على الآخرين، بل ينعكس نفسيًا أيضًا على الشخص نفسه، فيصبح أكثر توترًا وعزلة، وتابعت قائلة: نحن بحاجة لتعزيز التربية الرقمية منذ سن مبكرة، ليعي الأفراد أثر كلماتهم حتى لو كانت مجرد تعليق إلكتروني.

من جهته قال الإعلامي أحمد عبد الرازق متخصص بالإعلام الرقمي إن هناك فرق بين حرية التعبير والفوضى، مشيرًا إلى أن ما نراه من تجاوزات في بعض النقاشات هو نتيجة غياب الوعي بأساسيات التواصل، مؤكدًا أن الإعلام الرقمي لا ينفصل عن القيم المجتمعية، وعلى المستخدم أن يدرك أن ما يكتبه يُقرأ، ويؤثر، ويُخزن، وقد يُساء فهمه أو استخدامه ضده.”

وأضاف “عبد الرازق” أن هذه المشكلة أتت نتيجة أن بعض الأشخاص ما كانوا يستطيعون أن ينتقصوا من بعض الأشخاص في الواقع الحقيقي، ولكنهم وجدوا ضالتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث إن هذه الردود السلبية لا تحتاح سوى ثوان معدودة، حيث تُلقى دونما اعتبار للسن ولا الدرجة العلمية، ولا حتى لصلة القرابة.

وعن رأي الدين في هذا الأمر قال هاني تمام أستاذ الفقه الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إن”الإسلام دعا إلى الكلمة الطيبة، ونهى عن اللغو، بل واعتبر الكلمة مسؤولية. يقول تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، مؤكدًا أن السوشيال ميديا لا تخرج عن هذا المعنى كل حرف نكتبه سيُحاسب عليه الإنسان، سواء في حق الله أو العباد. التشهير، والسخرية، واتهام الناس دون دليل، كلها محرمات شرعية. وعلى المسلم أن يتحرى الصدق والأدب حتى في المساحات الافتراضية.”

وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن ما يحدث من تجاوز وسباب وتنمر وتقليل من شأن الآخرين، عاقبته كعاقبة من فعل ذلك في الحقيقة ليس هناك أية اختلاف، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى أكد على حرمة جميع ما يحدث على. السوشيالميديا في آية واحدة: “يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون”.

وعن التبعيات القانونية تجاه تجاوزات السوشيال ميديا قال المحامي محمود حسن الخبير قانوني في حقوق الإنسان وقوانين الإنترنت إن الحديث على السوشيال ميديا له ضوابط قانونية واضحة، فالحرية ليست مطلقة، وهناك مسؤوليات يجب أن يتحملها المستخدم. التشهير، السب والقذف، ونشر الأكاذيب التي تضر بالآخرين تعرض صاحبها للمساءلة القانونية.

وأكد في تصريح خاص لجريدة اليوم أن القانون المصري والقوانين الدولية تحمي الأفراد من الإساءات والاعتداءات الرقمية، لذلك من الضروري أن يكون كل شخص واعي لما يكتبه، لأن الكلام الذي يبدو بسيطًا على الشاشة قد يؤدي إلى عقوبات قانونية خطيرة. التوعية بالقوانين الرقمية جزء مهم من تعزيز ثقافة التعامل الراقي والمسؤول على السوشيال ميديا.”

وعن مدى العقوبة القانونية تجاه هذه التجاوزات قال أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يعاقب بالحبس الذي قد يصل إلى 3 سنوات، وغرامات تصل إلى 100 ألف جنيه أو أكثر، حسب جسامة الفعل.

وأكد أن بعض القضايا قد تُحال للمحكمة الاقتصادية، ويُحكم فيها بأحكام مغلظة إذا ثبت تكرار الجريمة أو وجود قصد جنائي، لذلك من الضروري أن يكون كل شخص واعيًا لما يكتبه، لأن الكلام الذي يبدو بسيطًا على الشاشة قد يترتب عليه مسؤولية جنائية كاملة.”

خاتمة

العالم الرقمي لا يعني التحرر من الأخلاق، بل هو اختبار جديد لقيمنا وسلوكياتنا. إتيكيت الكلام ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية النفس والمجتمع من الفوضى والعداء. ولنكن جميعًا جزءًا من بناء بيئة تواصل محترمة، قائمة على الاحترام، لا الانفعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى