تقارير-و-تحقيقات

اللاجئون.. صرخة الأزهر في وجه صمت العالم وتوثيق مؤلم لأكبر كارثة إنسانية معاصرة

تقرير:مصطفى علي

في الوقت الذي تتصاعد فيه الأزمات الإنسانية في مناطق متعددة من العالم، ولا سيما أزمة اللاجئين التي تمزق المجتمعات وتشرّد الملايين، يواصل الأزهر الشريف دوره الريادي في مناصرة القضايا الإنسانية والوقوف بجانب المظلومين.

وفي خطوة ثقافية جديدة تجسّد هذا الإلتزام الأخلاقي والروحي، يقدّم جناح الأزهر الشريف في معرض الإسكندرية الدولي للكتاب إصدارًا توعويًا هامًا بعنوان “اللاجئون”، من إعداد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، حيث يُسلّط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات التي يشهدها العصر الحديث، مؤكدًا أن هذه المأساة ليست مجرد قضية سياسية أو أمنية، بل كارثة إنسانية تتطلب تفاعلًا دوليًا جادًا.

اللاجئون”.. شهادة توثيقية لجرحٍ مفتوح

الكتاب لا يكتفي بتناول الأزمة من زاوية الإحصائيات أو التقارير، بل ينطلق من رؤية إنسانية تهدف إلى فضح واقع اللاجئين بكل تجلياته: من التهجير القسري، إلى فقدان المأوى، إلى الحرمان من الرعاية الصحية والتعليم والأمن، وما يترتب على ذلك من أزمات اجتماعية ونفسية واقتصادية تضرب في عمق البنية البشرية للمجتمعات.

العمل يتحدث عن أكثر من 65 مليون مشرد حول العالم، بينهم 21 مليون لاجئ فعليًا، ونحو 50% منهم أطفال وقصّر أرقام موجعة تحوّلت إلى “صرخات في صحراء الصمت العالمي”، كما يصفها الإصدار، حيث تواجه هذه الفئة أهوالًا يومية من العنف، والبرد، والجوع، والتمييز، بل وحتى الموت على أبواب الأمل.

البحر المتوسط.. مقبرة الأحلام المهاجرة

واحدة من أبرز المآسي التي يسلط عليها الكتاب الضوء، هي تلك المرتبطة بمحاولات اللاجئين عبور البحر الأبيض المتوسط. فبدلًا من أن يكون البحر جسرًا للنجاة، تحوّل إلى مقبرة جماعية للمهاجرين، حيث لقي آلاف الأشخاص حتفهم في قوارب متهالكة، وسط صمت دولي شبه مطبق ويكشف الإصدار أن عام 2016 وحده شهد وفاة نحو 5000 لاجئ غرقًا، في مشاهد تتكرّر في كل عام دون تحرّك حقيقي يعالج جذور الأزمة.

مأساة اللاجئين.. كارثة لا يُمكن تجاهلها

يرى مرصد الأزهر في هذا الإصدار أن أزمة اللاجئين ليست عَرَضًا جانبيًا لأزمات العالم، بل هي “الوجه القبيح لانهيار منظومة القيم العالمية”، وأن استمرارها بهذا الشكل يضع العالم أمام اختبار حقيقي لضميره الإنساني فاللاجئ ليس مجرّد ملف على طاولة مفاوضات، بل إنسان فقد أرضه وكرامته ومصدر رزقه وأمنه، ويعيش على أمل أن يستعيد شيئًا مما فقد.

ويؤكد الكتاب أن تناول هذه القضية في إصدار ثقافي، هو جزء من واجب الأزهر الأخلاقي والإنساني والديني، وأن الحق في المعرفة هو أولى خطوات التغيير، خاصة إذا تعلّق الأمر بملف يحمل في طياته أوجاعًا ممتدة وصراعات متفاقمة.

نحو حلول إنسانية شاملة

لا يكتفي كتاب “اللاجئون” بالتشخيص، بل يطرح أيضًا رؤية عملية للخروج من المأزق، على رأسها:

وقف الحروب والصراعات المسلحة التي تمثل الجذر الرئيسي للهجرة القسرية.

نشر ثقافة السلام والتعايش والتسامح بدلًا من التحريض على الكراهية والعنصرية.

مواجهة الفكر المتطرف الذي يغذي الأزمات، سواء في بلدان النزوح أو بلدان الاستقبال.

تحمّل المجتمع الدولي لمسؤولياته تجاه الدول التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين، وتقديم الدعم المالي والمعنوي لها.

تجديد الخطاب الإنساني العالمي بما يعيد الاعتبار للقيم الكونية المشتركة.

الأزهر.. صوت الضمير في زمن التوحش

بهذا الإصدار، يبرهن الأزهر الشريف على أنه ليس مؤسسة دينية فحسب، بل حامل لقيم الرحمة والتراحم والعدل في وجه الظلم العالمي إنه يعيد توجيه البوصلة الأخلاقية نحو ضحايا لا يملكون ترف التعبير، ويحوّل المنصات الثقافية إلى منابر لنقل صوت اللاجئين، مؤكدًا أن معاناتهم ليست أرقامًا في تقارير، بل أرواحًا تنتظر الإنصاف والنجاة.

ويأتي هذا الإصدار في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المآسي في مناطق مثل فلسطين وسوريا والسودان وميانمار وأفغانستان، مما يمنح العمل قيمة مضاعفة، ويجعله صوتًا توثيقيًا وإنسانيًا في مواجهة الصمت العالمي.

رسالة إلى القارئ.. وموقف من العالم

في ختام الكتاب، يوجّه مرصد الأزهر رسالة إلى القارئ: “أنت لست مجرد متلقٍ بل شاهد على جريمة العصر”، وأن القراءة عن اللاجئين لا يجب أن تنتهي بإغلاق الغلاف، بل يجب أن تتحوّل إلى وعي حيّ، وسؤال دائم عن المسؤولية الفردية والجماعية تجاه هذه الأزمة التي تنذر بانهيار كامل للمنظومة الأخلاقية الدولية.

بهذا العمل، يثبت الأزهر أنه ضمير الأمة وضمير الإنسانية، وأنه لن يتخلى عن قضايا الإنسان مهما تعقّدت أو تصاعدت، ليبقى صوتًا حيًّا في وجه التواطؤ، وسندًا روحيًا ومعنويًا لكل من فقد الأرض والملجأ والأمان.

فإن إصدار “اللاجئون” ليس مجرد كتاب يُعرض على رفوف معرض الكتاب، بل هو صرخة ضمير حيّ، ووثيقة إدانة، وخارطة طريق إنه تذكير بأن العالم لا يزال مليئًا بالآلام التي تحتاج إلى أصوات صادقة، مثل صوت الأزهر الشريف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى