الرئيسيةعرب-وعالم

الماك و 15 ديسمبر… مشروع انفصالي تباركه أبواق الاحتلال

تقرير: مروة محي الدين

في خطوة تنذر بعواصف عاتية، في بلد طالما جهر الرأي العام فيها بكراهية الاحتلال، وأعلن نقمته على أبواقه وتدليسه، راح الصحفي والباحث الإسرائيلي “إيدي كوهين” يعلن تشرفه بقبول دعوة حضور حفل حركة تقرير مصير القبائل (الماك- MAK)، لإعلان انفصالها عن الجزائر، المزمع إقامته في العاصمة الفرنسية باريس، في 15 ديسمبر 2025.

دعوة موجهة إلى كوهين ونشرها على حسابة على إكس

وفي تصريحاته لليوم، فسر الدكتور “حسن سلامة”- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- ظهور “كوهين” في هذه المسألة وإظهار الدعوة التي وصلته، فقال: “إسرائيل بؤرة توتر حقيقية في المنطقة العربية، وتحرك عناصرها لخدمة ذلك الهدف؛ وبالنظر للجزائر نجدها دولة تتبنى الدعم للقضية الفلسطينية دائمًا، منذ إعلان الدولة الفلسطينية، وما تزال مواقفها متشددة بشأن العلاقات مع إسرائيل؛ وعليه يكون موقفها وعناصرها من دعم حراك الانفصال طبيعيًا، وهو نوع آخر من الحروب، بخلاف الحروب العسكرية، تستخدم فيها أدوات أخرى، من أجل زعزعة الاستقرار الداخلي”.

وأضاف: “تلك الحراكات تدعمها إسرائيل كما تدعمها فرنسا، فالصلة بين الاثنين كبيرة، ومصالحهما مشتركة فلا يمكن فصلها، ومع تلاقي مصالحهم في هذا الشأن، يتجلى مفهوم الاستقواء بالخارج، حيث تعلي منه الحركة على حساب الدولة الوطنية”.

دعوات إضفاء الشرعية

 

فتح ذلك الإعلان أكثر الملفات حساسية في شمال إفريقيا، حيث وسعت الحركة- التي تصنفها الحكومة الجزائرية منظمة إرهابية- في دعوة الشخصيات العامة، من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والثقافية، من جميع أنحاء العالم، مع من وصفتهم بممثلي المؤسسات القبائلية، عملا على إضفاء صك الشرعية على الانفصال.

وهو ما نفى “سلامة” احتمال حدوثه، حيث قال: “فكرة الانفصال لن يكون لها أي سند من الشرعية، إذ أننا نتحدث عن دولة وطنية هي الجزائر، تضم مكونات عرقية متعددة؛ واستحضار فكرة الانفصال في الوقت الراهن، جاء في إطار موروث تاريخي، تزعم فيه تلك الحركات أنها كانت تتمتع بالاستقلال الذاتي، حتى قبل الاحتلال الفرنسي، واستنادا لى ذلك يطالبون بالانفصال، أو تكوين كيان منفصل عن الدولة الوطنية، بيد أنه في الوقت الراهن لا توجد مبررات لهذا الانفصال، فالدولة بوتقة لانصهار جميع المكونات فيها، وإن كان هناك بعض التمايز داخل المجتمع”.

وذلك تحت دعوى “إرادة الشعب القبائلي في ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، في مواجهة تعنت السلطة الجزائرية، التي اختارت طريق القمع لإسكات صوت هذا الشعب، بدلا من أن تفتح باب الحوار”- حسب ما جاء في الدعوة التي نشرها “كوهين” على حسابه.

وحسب ديباجة الإعلان، الذي جاء ممهورًا بتوقيع “فرحات مهني”- رئيس الحركة، كان حضور المدعويين “تكريمًا لمبادئ السلام والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي المبادئ التي تسير عليها بلاد القبائل، في نهجها السلمي والمسؤول على الساحة الدولية”.

تصويت برلمان المنفى

الحركة التي شكلت من قياداتها حكومة منفى، شكلت أيضًا ما يعرف “بالبرلمان القبائلي”، وفي شأن الإعلان قالت: إنه جاء عقب تصويت بالإجماع، في جلسة عامة لبرلمان المنفى، في إطار مراجعة النص التأسيسي للإعلان وضبطه.

وفي الإطار ذاته، أشارت تقارير إعلامية إلى أن الماك- التي تأسس في مطلع الألفية الجديد في باريس، وأسست حكومتها المؤقتة عام 2010- تحظى بدعم سياسي وإعلامي من فرنسا وكندا ودوّل أخرى، ومن هنا تستغل أي تطورات إقليمية ودولية للضغط على الحكومة الجزائرية وتدويل قضيتها.

وقد نفى “سلامة” في خضم تصريحاته، انطلاقا من تحرك الحكومة الجزائرية، أن تلجأ الحركة لتصعيد تحركها ونشاطها أكثر من ذلك، لأنها “تعلم جيدًا أن الحكومة الجزائرية لن تعترف به، كما أن الخيارات أمامها مفتوحة، في اتخاذ ما يلزم من إجراءات، للدفاع عن سيادتها الوطنية، ولن تجد الحركة لها داعم في المجتمع الدولي بخلاف فرنسا”.

تصنيف إرهابي

الحكومة الجزائرية لم تقف صامتة، بل شددت على الوحدة الوطنية للبلاد، وأعلنت رفضها الحاسم لأي مساعي للانفصال، معتبرة إياه اعتداء على وحدة التراب الجزائري والسيادة الوطنية للدولة، في اتساق مع تحركها ضد نشاط الحركة، حيث سارع المجلس الأعلى للأمن في الجزائر بتصنيف الماك منظمة إرهابية، في مايو 2021، والتعامل معها بهذه الصفة.

وقد علق “سلامة” على رد فعل الحكومة، فقال: “الحكومة لها مبرراتها، وقد يكون محركي تلك الأنشطة عناصر تم استقطابها، ربما من فرنسا، وعليه تبحث الحكومة على الحفاظ على السيادة الوطنية، بحيث تظل الدولة موحدة، وإن تعددت المكونات داخلها”.

وأضاف: “بالحديث عن الوضع الراهن، هذا الانفصال لم يحدث إبان الاحتلال الفرنسي، بينما كان يمكن تبريره تحت دعوى المقاومة أو غيرها، وعلى العكس شهدت حرب التحرير الجزائرية انصهار جميع مكونات الشعب فيها؛ وبالتالي يكون تحقيق الانفصال صعب جدا الآن، لأن فيه تفتيت للوحدة القومية لدولة عربية”.

كما اتهمت الحركة بارتكاب أعمال عدائية وتخريبية، بهدف زعزعة استقرار البلاد والمساس بأمنها، واتهمتها بالضلوع في مجموعة من أعمال العنف وحرائق الغابات في منطقة القبائل؛ ثم وجهت اتهامات لقادتها، وعلى رأسهم “مهني” بالعمالة لصالح دول أجنبية معادية للجزائر، وتلقي تمويل ودعم منها، واتخاذ العنف ذريعة لاستجداء التدخل الخارجي.

وصعدت من مواقفها ضدها، فأصدر عدد من مذكرات التوقيف ضد “مهني” وعدد من قياداتها في الخارج، كما دأبت على التأكيد أن الماك تخدم أجندات خارجية معادية بتحركاتها، وأن مؤيديها وأعضائها لا يمثلون سوى أقلية، ليس لها وزن بين القبائل.

وأكد أستاذ العلوم السياسية: أن “في إطار الحفاظ على سيادة الدولة ونسيجها الواحد، قد تتخذ الحكومة كافة الإجراءات القانونية، ومع خشية تأجج المصادمات العنيفة، قد تشدد الدولة قبضتها الأمنية وصولا إلى القوة القاهرة، وهو ما لم يكون في صالح أي من الطرفين، سواء الحكومة أو الأطراف المطالبة بالاستقلال”.

على الهامش

على هامش الخلاف بين الماك والحكومة الجزائرية، كانت فرنسا على موعد مع تعزيز خلافاتها مع الجزائر، حيث أدى استمرار نشاط الحركة في باريس إلى زيادة التوتر بين البلدين، إذ اعتبرت الأخيرة سماح الأولى بإقامة فاعلياتها على أراضيها، لحشد الدعم الاولى لمشروعها الانفصالي، دعمًا ضمنيا من باريس.

وقد رجح “سلامة” ذلك الاحتمال، فقال: “أعتقد أن فرنسا هي من تغذي ذلك الحراك، على هامش التوتر- غير المسبوق- بينهما وبين الجزائر، فلجأت لإحياء هذا الأمر، عملا على إثارة البلبلة داخل الدولة الجزائرية ذات السيادة، لاسيما وأن هجرة عدد كبير من الجزائرين إليها، مكنها من استخدامهم ورق ضغط على الجزائر، وإلا لماذا ظهرت تلك الدعوات الآن؟ عقب تصاعد التوتر بينهما، ولم نسمع عنه في السنوات السابقة، ولما حاز كل هذا الاهتمام الإعلامي، والتغطية الموسعة من الصحف الفرنسية ووسائل إعلامها؟ وقدمت دعمًا إعلاميًا كبيرًا لشعوب القبائل، على أساس أن الانفصال حق لهم؛

الإجابة على تلك الأسئلة هي: أن فكرة الانفصال ستهدد استقرار الجزائر وسيادتها، وتفتح الباب أمام مكونات أخرى في المجتمع للمطالبة بنفس الشيء، فيؤدي ذلك إلى تفكيك الدولة، ويبرر التدخلات الخارجية، فكما يعلم الجميع أن الجزائر هي فرنسا ما وراء البحر، ومن هنا تستحضر تاريخها الاستعماري، وتتدخل بزعم محاولة الحفاظ على استقرار، وبالتالي فالمسألة أبعد من مجرد مكون عرقي يطالب باستقلال ذاتي”.

تجارب سابقة

في يوليو 2011، أعلن انفصال دولة جنوب السودان عن شمالها، بعد توترات كبيرة جرت بين شقي البلد الواحد، ما يؤشر بأن دعوة الحركة الجزائرية محاولة لتكرار نفس السيناريو في بلد المليون شهيد، وحال نجح هذا الحراك في نيل الاعتراف الدولي، قد يتكرر الأمر وتلقى الجزائر نفس المصير.

لكن “سلامة” استبعد تمامًا ذلك السيناريو، فقال: “من الصعب جدا حدوث ذلك، فالمكون الجزائري أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات منه في السودان، حتى إن حظي هذا الإعلان باعتراف بعض الدول، لن يصل لاعتراف كامل المجتمع الدولي، ولن يحدث أن تجبر قوة الدعم الإسرائيلي المجتمع الدولي على منح الاعتراف؛ كما أن للسودان وضع خاص، بحكم موقعها الجغرافي وامتدادها وتقاطعاتها مع أماكن مختلفة، بالإضافة إلى مواردها وثرواتها”.

وأضاف: “الجزائر تمتاز بالصلابة المجتمعية، وشعبها شعب صلب عنيد، والحكومة تتعامل من هذا المنطلق، فسيجد الانفصال مقاومة كبيرة من الحكومة والشعب على حد سواء، الذي يرى أمامه التجارب السابقة للانفصال ونتائجها ويتعلم منها، السودان نفسها التي انفصل شمالها عن جنوبها يومًا، يرجح أن تنفصل فيها دولة ثالثة في دارفور خلال أيام، ما يعني تفتيت أكثر، وهو ليس في صالح الأمن القومي للدولة، ولا الأمن القومي العربي كله”.

فشل متوقع

في نهاية تصريحاته، رجح “سلامة” فشل سيناريو الانفصال، لكنه رجح بقوة استمرار سيناريو التوتر داخل البلاد، دون أن يتغلب طرف على الاخر، قد يمتد لفترة طويلة بفعل وجود العديد من المغذيات، قد تلوح فيها الحركات باستخدام القوة، لكنها لن تجرؤ على استخدامها.

ثم شدد على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة، فقال: “من الاهمية بمكان أن نحافظ على الدولة الوطنية كما هي، سواء في الجزائر أو السودان او غيرها؛ حيث يبدو جليًا وجود أجندة لإعادة هيكلة المنطقة كلها، ووجود الاحتلال في الصورة، يعني وجود أطراف داعمة لذلك الحراك، تبحث عن مصالحها، والاستفادة من الموارد”.

وفي رؤيته للعلاج، كانت نظرته تنطلق من فكرة: أن خلافاتنا الداخلية كأنها خلافات داخل البيت الواحد لا تخرج خارجه، فقال: “نحتاج لإستراتيجية واضحة لمواجهة مثل هذه الحركات الانفصالية، وذلك مع إقرارنا بوجود التمييز في بعض الدول، والاختلافات العرقية والطائفية في أخرى، لكن ذلك كله في إطار المواطنة والدولة الموحدة، وذلك هو حائط الصد المهم أمام كل المحاولات المبذولة للانفصال”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى