المتحف المصري الكبير.. معجزة مصر الحديثة تفتح أبوابها للعالم

تقرير: مصطفى علي
بعد سنوات من الانتظار والتشويق، يقف المتحف المصري الكبير عند بوابة الأهرامات بالجيزة شاهدًا على تلاقي المجد الفرعوني مع طموح الدولة المصرية الحديثة هذا المشروع الضخم، الذي وُصف بأنه أكبر متحف أثري في العالم لا يرمز فقط إلى عرض كنوز مصر القديمة، بل يعكس رؤية استراتيجية لاستعادة مكانة مصر كمركز عالمي للتراث الإنساني والسياحة الثقافية.
اليوم، مع اقتراب افتتاحه الرسمي الذي تتحدث عنه الصحف المصرية يتجدد السؤال: كيف تحول المتحف المصري الكبير من حلمٍ إلى حقيقة؟ وما الذي يجعله مشروع القرن الثقافي في الشرق الأوسط؟
أكبر متحف أثري في العالم
يقع المتحف المصري الكبير على مساحة 500 ألف متر مربع، ليكون الأكبر عالميًا في عرض الحضارة المصرية عبر العصور. صُمّم على شكل مثلث ضخم يستوحي روحه من أهرامات الجيزة، ليكون امتدادًا بصريًا وجغرافيًا لتاريخ تلك الأرض المقدسة.
الواجهة الأمامية للمتحف، المصنوعة من الألواح الزجاجية الضخمة، تُطل مباشرة على الأهرامات الثلاثة، في مشهد يوحي بأن الزمان قد التحم بالمكان ويضم المبنى أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، من بينها كنوز الملك توت عنخ آمون الكاملة، التي تُعرض لأول مرة مجتمعة منذ اكتشافها في عام 1922.
رحلة من الحلم إلى الحقيقة.. عقدان من البناء والتحدي
بدأت فكرة المتحف المصري الكبير عام 2002، عندما أطلقت الحكومة المصرية بالتعاون مع منظمة اليونسكو مشروعًا قوميًا ضخمًا لبناء متحف يليق بعظمة الآثار المصرية.
مر المشروع بمراحل صعبة، شملت تحديات تمويلية وهندسية وسياسية، لكن مصر لم تتراجع. ففي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تسارعت وتيرة العمل، ودُشّنت مرحلة جديدة من “الثقافة الوطنية الكبرى”، إذ اعتُبر المتحف أحد أذرع القوة الناعمة للدولة.
التمويل جاء من شراكات دولية وقروض ميسرة من اليابان بقيمة تجاوزت 800 مليون دولار، إلى جانب دعم حكومي مصري واسع النطاق، لتُترجم الإرادة إلى إنجاز ميداني بات يضاهي كبريات المتاحف في العالم
كنوز توت عنخ آمون.. نجم العرض العالمي
يتصدر المتحف المصري الكبير قاعات عرض الملك الذهبي توت عنخ آمون، الذي أصبح رمزًا للجمال الغامض للحضارة المصرية القديمة.
تضم قاعته الخاصة أكثر من 5000 قطعة أثرية اكتُشفت داخل مقبرته في وادي الملوك، تعرض للمرة الأولى كاملة في بيئة عرض حديثة تعتمد على الإضاءة الذكية وتقنيات الحفظ الحراري الدقيقة.
ويقول الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن قاعة توت عنخ آمون ستكون أيقونة الجذب السياحي الأولى في العالم مشيرًا إلى أن تصميمها جاء ليحاكي رحلة الملك إلى العالم الآخر كما وردت في كتاب الخروج إلى النهار.
لم يعد المتحف المصري الكبير مجرد مكان للعرض، بل أصبح تجربة معرفية تفاعلية توظّف أحدث التقنيات الرقمية والوسائط المتعددة.
القاعات تستخدم الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي لشرح قصص الملوك والمعارك، وتتيح للزائر التجول داخل المقابر افتراضيًا. كما تم تجهيز مركز بحثي وترميمي هو الأضخم في الشرق الأوسط، يضم أكثر من 19 معملًا متخصصًا في ترميم الأخشاب والمعادن والنسيج والبرديات.
وتُعد منطقة الترميم بالمتحف بمثابة متحف مفتوح آخر، حيث يمكن للزائر أن يشاهد المرممين المصريين أثناء عملهم، في تواصل مباشر بين الماضي والحاضر
الطريق إلى الأهرامات.. سياحة متكاملة في قلب التاريخ
يرتبط المتحف المصري الكبير مباشرة بمنطقة أهرامات الجيزة عبر محور جديد يضم ممرات مشاه وحدائق ومطاعم ومناطق ترفيهية، ليشكل ما يمكن وصفه بـ”مدينة الثقافة المصرية”.
ويقول اللواء عاطف مفتاح، المشرف العام على المشروع، إن الخطة السياحية تشمل منظومة ذكية متكاملة تجعل زيارة المتحف تجربة شاملة تمتد من الأهرامات إلى قلب القاهرة التاريخية، من خلال خدمات النقل الكهربائي ومراكز الزوار والفنادق الجديدة في المنطقة.
يعتبر افتتاح المتحف المصري الكبير أكثر من حدث ثقافي إنه رسالة سياسية تؤكد أن مصر لا تزال صاحبة الريادة الحضارية في المنطقة.
فالمتحف يهدف إلى استعادة صورة مصر كمنارة للعلم والهوية، في مواجهة محاولات طمس التاريخ أو تزييفه كما أنه يأتي ضمن رؤية مصر 2030 لتعزيز الثقافة كركيزة للتنمية المستدامة.
وتؤكد تصريحات وزارة السياحة والآثار أن المتحف سيخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويسهم في زيادة عائدات السياحة بنسبة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
يرى عدد من الخبراء المصريين أن المتحف الكبير ليس نهاية المطاف، بل بداية لعصر جديد من الوعي الأثري والعلمي.
الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، وصف المتحف بأنه أعظم مشروع ثقافي في القرن الحادي والعشرين مؤكدًا أنه سيغيّر خريطة السياحة الثقافية في العالم
أما الباحثة الأثرية الدكتورة مونيكا حنا فترى أن المتحف يمثل أيضًا مسؤولية علمية كبيرة تجاه التراث الإنساني، مشيرة إلى ضرورة استمرار الدعم الأكاديمي والتقني للحفاظ على معاييره العالمية.
